فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
يقول الأخفش في ذلك:"فما وافق هذا البناءَ الذي سمَّته العرب شعرًا في عدد حروفه - ساكنةً ومتحركةً - فهو شعر، وما خالفه - وإن أشبهه في بعض الأشياء - فليس اسمه شعرا"وكانت حجته في ذلك:"أن الأسماء لا تقاس"، يقول:"ألا ترى أن الحائط مرتفع من الأرض، وليس كل ما ارتفع من الأرض فهو حائط؟! لأن الدكان والرابية مرتفعان من الأرض، وليسا حائطين؛ فمن زعم أن كل ما ألَّفَهُ شعرٌ لأنه مؤلَّفٌ؛ فليقل: إن الدكان حائط لأنه مرتفع من الأرض، وليقل: إن الخطبة والرسالة شعرٌ لأنه مؤلَّف .."!!
وفي هذا الكلام قياس فاسد، ومُماحكة سفسطائيَّة؛ لأنَّ قِياسه على إحدى صفات الحائط - وهي الارتفاع من الأرض - قياسٌ واضحُ القصور؛ (فحائط الأخفش) اسم يدل على متشابهات عديدة، كالحائط الطويل والحائط القصير، والحائط المرتفع أو المنخفض، والحائط المبني من الطين أو الحجارة أو الخشب، وقُلْ مثل ذلك في قياسه على صفة (التأليف) في الشعر والخطبة والرسالة؛ فهُنالك اختلافات في طرق التأليف والبناء.
إنَّ الشّعر هو: الكلام المبني على طريقة العرب في تأليف أجزائه (التفاعيل) ، وكل ما بُني على هذه الطريقة سُمِّي شعرًا، طال أم قصر.
انظر إليه: كيف يسمِّي كلامَ الحَضَرِ عربيًّا، اعتمادًا منه على أنه مؤلَّف من حروف العرب، أي: اعتمادًا على مكوناته العربية، ولكنه ينظر إلى الشعر بطريقة مختلفة؛ فلا ينظر إلى مكوناته الحقيقية (وهي التفاعيل) ؛ بل يعدُّه مكونًا من أبيات تفسدها الزيادة والنقصان في أطوالها!! ولو أنه نظر إلى مكوّنات الشعر الحقيقيَّة؛ لأصبحتِ المُقارَنَةُ والمُقايسة أَكْثَرَ واقعيَّة وعدالة، ولعدَّ ما بني على هذه المكوّنات شعرًا، وإن خالف أبنية العرب طولاً وقِصَرًا.