فكان هارونُ عَوْنًا لأخيه -عليهما السَّلامُ- في إقناع فِرْعَوْنَ وقومِه، ولقد جاءَ في الحديث: (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ؛ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ) ) [16] .
والفصاحةُ لا تعني الثَّرْثَرَةَ والتَّشَدُّقَ والتَّوَعُّرَ في الكلام، وإنَّما هي حُسْنُ التَّعبير عمَّا في النَّفْس، وقوَّةُ التَّأثير في المُسْتَمِع، والتَّكَلُّمُ من غير تَهَيُّبٍ أو تَخَوُّفٍ؛ بحيثُ يكونُ الكلامُ حُلْوًا رشيقًا، سَهْلاً عَذْبًا مؤثِّرًا. ولهذا؛ كان الأمرُ يَتَطَلَّبُ العِلْمَ بالشَّيءِ الذي نُريدُ الكلامَ عنهُ، وترتيبَ الأفكار لهُ، وما أجملَ الكلمةَ الصَّائبةَ في اللَّحظة المناسِبة، وكذا حُسْنُ الاستماع للمتكلِّم من آداب التَّخاطُب.
والرَّجلُ الفصيحُ تكونُ الأعناقُ إليه أَمْيَلَ، والعقولُ عنه أَفْهَمَ، والنُّفوسُ إليه أَسْرَعَ، وقد ذَكَّرَ اللهُ رسولَه -صلَّى الله عليه وسلَّم- حالَ قريشٍ وبلاغتَهُمْ؛ فقال: {وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون: 4] . فكلَّما كان اللِّسانُ أَبْيَنَ كان أَحْمَدَ، وقيل لجعفرِ بنِ يحيى البَرْمَكِيِّ: ما البيانُ؟ قال: أن يُحِيطَ لَفْظُكَ بمعنَاكْ، ويَكْشِفَ عن مَغْزَاكْ، ويُخْرِجَهُ منَ الشِّرْكَة، ولا يُسْتَعَانَ عليه بالفِكْرَة، ويكونَ سَلِيمًا منَ التَّكَلُّف، بعيدًا منَ الصَّنْعَة، بريئًا منَ التَّعقيد، غَنِيًّا عنِ التَّأويِل.
قال سهلُ بنُ هارونَ:"العقلُ رائدُ الرُّوحِ، والعِلْمُ رائدُ العقلِ، والبَيَانُ تَرْجُمَانُ العِلْمِ".
وقيل:"حياةُ المُروءةِ الصِّدْقُ، وحياةُ الرُّوحِ العفافُ، وحياةُ الحِلْمِ العِلْمُ، وحياةُ العِلْمِ البَيَانُ"، ولهذا؛ فإنَّ الكلمةَ إذا خَرَجَتْ منَ القلب وَقَعَتْ في القلب، وإذا خَرَجَتْ منَ اللِّسان لمْ تَتَجَاوَزِ الآذانَ.