فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أما نحن فصرنا لا نقيل؛ لأن نمط الحياة قد تغير عندنا كما أسلفت، وتبعاً لذلك فقد هبطت دندنتنا لما هو أدنى، وصار همنا هو التعايش السلمي مع الباطل. وأذكر أنني -وبتأويل أقر بأنه غير صائب- وفَّرْتُ جهاز تلفاز لأسرتي، تحت ضغط الموازنة بين هرب أبنائي من بيتهم إلى بيوت عماتهم وخالاتهم وأعمامهم وأخوالهم، ليشاهدوا التلفاز عندهم، وبين مكثهم في البيت ومراقبتهم فيما يشاهدون، هكذا سهُل الأمر عليَّ، بحجة الأخذ بأخف الضررين، فاشتريت جهازاً من أحدث الأجهزة في وقته، وكنت أُحرّج على أفراد أسرتي، وأزجرهم عن مشاهدة المسلسلات، وآمرهم بإغلاق الجهاز في وقت بث تلك المواد الهابطة من الدراما الخليعة، لئلا يجرهم ذلك إلى انقلاب في الفكر، وانطماس في البصيرة؛ فيروا القبيح حسناً. وكنت إذا دخلت عليهم وهم يشاهدونها آمرهم بإغلاق العفن!! فانطبع ذلك في ذاكرة أصغر أبنائي، فأطل عليهم ذات ليلة ووجدهم يشاهدون المسلسل، فتقمّصني، وأمرهم قائلا: (( اقفلوا العفن دا ) )!!! فاندهشوا نظراً لصغر سنه.
وقد كفاني الله تعالى -وله الحمد والمنة- شر ذلك الجهاز، فقد سلط الله عليه أحد أبنائي بعد ذلك فحاول إخراجه إلى حيث يتحلقون حوله، كما يتحلق التلاميذ حول شيخ آسر، فيشاهدون المنكر محدقين كأنما على رؤوسهم الطير، فسقط منه وتلفت الشاشة، فلم أوفر لهم جهازا آخر، ولكنهم ادخروا من مصروفهم فاشتروا جهازاً ثانياً، وقد أعانهم على ذلك اجتهادي الذي ذكرت، فقضى الله على الجهاز الثاني بالتلف أيضاً، فما عادوا يجرؤون على الطلب، إلا على استحياء، والحمد لله.