وتبدو هذه القاعدة وجيهةً في إطارها العام، فلم يعد كلُّ شيء موروث يصلح لنا، ونحن في عالم معاصر، استجدَّ فيه الصالح والطالح، والخير والشرُّ، ولابدَّ لنا فيه كذلك من أن نأخذَ وندع، وأن تكون لنا معاييرُ في الأخذ والتَّرك.
في هذا الإطار العامِّ الذي أشرنا إليه قُدِّمت مشروعاتٌ ثقافيَّة كثيرة، وقد اتفق الجميع - إلا في النادر الشاذ - على تأسيس المشروع الحضاريِّ الثقافيِّ على طرفين لا غنى لأحدهما عن الآخر، وهما"التراث"و"المعاصرة"تجمعهما قاعدة:"الانتقاء"أو"الاصطفاء"من كلِّ هذين الطرفين معاً.
وقد ادَّعى كلُّ مشروع - وهو يصطفي من التراث ما يصطفيه - أنه يتوقَّف منه عند الجوانب الحيويَّة المشرقة التي ما تزال فاعلة مؤثِّرة في هذا العصر، وذلك للبناء عليها، واتخاذها فَرشاً أو مِهاداً تاريخياً، أو منطلقاً لتأسيس الثقافة العربيَّة المعاصرة التي تلبِّي حاجات الأمَّة ومتطلَّبات العصر..
ولا شك في صلاحيَّة هذا التخطيط العامِّ لأيِّ مشروع ثقافيٍّ عربيٍّ منشود، وذلك لأن إدراكَ العلاقة الإيجابيَّة بين الماضي والحاضر هو جزء من الوعي الحضاريِّ والتاريخيِّ للإنسان، وهذا الإدراك يتمثَّل في الإيمان بحتميَّة التواصل بين التراث والمعاصرة، من خلال النظر إلى الماضي نظرةً نقديَّة فاحصة تجتنب الوقوعَ في شَرَك أمرين اثنين، يشكِّل كلٌّ منهما خطراً داهماً:
-الأول: تقديس الماضي تقديساً مطلقاً.
-الثاني: نبذ الماضي نبذاً مطلقاً.
وإذا بدا هذا التخطيط العامُّ الذي نتحدَّث عنه سليماً، وهو في الوقت ذاته في موضع اتفاق الجميع؛ فلماذا إذن هذا التنافُر والتضارب بين المشروعات الثقافيَّة المقتَرحَة، بل لماذا هذا التصادُم والتضاد على نحو ما يتصادم الحقُّ والباطل، والأبيضُ والأسود؟