فهرس الكتاب

الصفحة 15986 من 19127

إن سرَّ هذا التصادم يكمُن في الطرف الثالث من أطراف معادلة المشروع الثقافيِّ العربيِّ المقترَح، وهو"الانتقاء"أو لنقُل تحديداً في"معايير الانتقاء"فإذا كان"الأخذ"و"الترك"من التراث والحديث مما لا ينازع فيه أحدٌ، فإن ما يؤخَذ وما يُترَك هو الذي يتنازع فيه الكثيرون، وذلك في غَيبة المعايير التي تضبط المأخوذ والمتروك، وتحدِّد ما يسمِّيه الجميع (( الجوانب الحيويَّة الفاعلة ) )من التراث أو من المعاصرة.

إن غَيبة هذه المعايير هي التي تجعل واحداً من أصحاب هذه المشروعات الثقافية - أدونيس - يقدِّم أدب الخلاعة والمجون أنموذجاً لهذه الجوانب المشرقة الحيويَّة، فيقول بصراحة:"هناك شعر أعدُّه عظيماً، سمَّاه بعض النقَّاد للسُّخرية والتنقيص من قيمته شعرَ التهتُّك والخلاعة والمجون، كشعر ابن الحجَّاج، وابن سُكَّرة، إنه من أهمِّ الشعر الذي كُتب في اللغة العربيَّة ومع ذلك فهو مكبوت ومقموع.." [4] .

ونقول: لن يتاحَ لأيِّ مشروع ثقافيٍّ عربيٍّ أن يأخذ طريقه إلى النور ما لم يتَّفق القوم على المعايير التي ينهض عليها، وهي معاييرُ لابدَّ أن تُستمدَّ من عقيدة الأمَّة، ولغتها، وقيمتها الفكريَّة والشعوريَّة، حتى تتجسَّد فيه خصوصيَّة هذا المشروع النابعةُ من خصوصيَّة الأمة التي يُراد له التعبير عنها، وتمثيلها.

ومثلما أن هذه المعايير هي التي تحكم التعاملَ مع التراث، فإنها ينبغي أن تحكم التعاملَ مع المعاصرة كذلك، حتى يُجسِّد المشروع الثقافيُّ المنشود ثقافةَ الحاضر العربيَّة الإسلاميَّة، الناهضة على دِعامتَين، هما:

-روح الأمَّة. وخلاصة تجربتها، ونظرتها إلى الكون والحياة والإنسان.

-روح الحاضر، وتلبية احتياجات العصر.

وفي إطار هذه المعايير قد توجد قراءات متعدِّدة، ووجهات نظر مختلفة، تُغني المشروع المنشود وتثريه، ولكنها لا تقف منه موقف الضدِّ من الضد..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت