فهرس الكتاب

الصفحة 16194 من 19127

نعم كان الجاهليون يقرون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر للأمور كلها، ومع ذلك يتوجهون بالتعظيم والتقديس والعبادة معه إلى الأوثان والأصنام، لا لأنهم يعتقدون أنها تنفع وتضر أو أن بيدها الأمر، كلا بل يعتقدون أنها واسطة تقربهم إلى الله - تعالى - وتشفع لهم عنده. وقد ذكر ذلك القرآن الكريم أيضاً فقال سبحانه فيه: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ، وقال جل شأنه: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] .

وهذا نفسه ما يغفله كثير من مسلمي اليوم، وهم يظنون العبادة محصورة في الصلاة والصوم والزكاة والحج، ولا يفهمون أن النذر عبادة والذبح عبادة، والحلف عبادة، والتوكل عبادة، والرغبة والرهبة والحب والطاعة والانقياد والتذلل والتقديس، وأهم من ذلك كله الدعاء والاستغاثة أنها كلها من صميم العبادة، مع أن النصوص في ذلك متضافرة وكثيرة جداً وأنها يشملها ما اصطلح عليه العلماء بتوحيد الألوهية، بالإضافة إلى توحيد الأسماء والصفات، بل إن بعض المتعالمين من كتاب زماننا يدعي أن أنواع التوحيد هذه هي بدع وهابية، وليست من الإسلام في شيء، فتأمل، وابك معي على غربة الإسلام الذي وصل المسلمون فيه إلى أن جعلوا الشرك إسلاماً والإسلام شركاً، فانطبق عليهم قوله - سبحانه: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت