فهرس الكتاب

الصفحة 16195 من 19127

-أما السلف فقد كانت عقيدة التوحيد بأنواعها من ربوبية وألوهية وتشريع وأسماء وصفات واضحة لا لبس فيها ولا غموض. وما ذلك إلا لأنهم عرفوا الجاهلية فاجتنبوها، وجهل الخلف الجاهلية فوقعوا فيها، ولذلك كان فاروق هذه الأمة الخليفة الراشد الثاني عمر - رضي الله عنه - محدثاً وملهماً حينما تخوف من ذلك فقال:"إني أخشى أن ينشأ في الإسلام قوم لا يعرفون الجاهلية، من لا يعرف الجاهلية لا يعرف الإسلام"أو كمال قال.

6-أن طبيعة الأشياء، وسنة الله في الدعوات في الحياة، لتؤكد أن أي دعوة أو فكرة تظهر في الحياة، سواء كانت إلهية أو وضعية بشرية، فإنها تكون على حقيقتها وأصلها عند ظهورها وأول نشوئها في عهد الداعي الأول إليها، وأنها ما إن يمر عليها حين من الدهر إلا وتبدأ يد التغيير والتبديل تعمل فيها، وكلما أوغلت في الزمن ازداد هذا التغيير والتبديل، تماماً كنبع الماء إذا نظرت إليه أول تفجره من الأرض فستراه رقراقاً صافياً، نظيفاً رائقاً، ولكنك إذا انتقلت إليه بعد عدة أميال فسيهولك ما تراه عليه من الكدر والنتن، والأوساخ والأوشاب.

-وهذا الذي جرى على دعوات الأنبياء تماماً، فنحن نعلم علم اليقين أن إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - ما دعوا إلا إلى التوحيد، ثم ها هي دعوتهما بعد حين تنقلب على يد أتباعهما من العرب وغيرهم إلى شرك أكبر وعبادة أصنام، وهذا موسى وهارون وعيسى وأنبياء بني إسرائيل كلهم ما دعوا إلا إلى التوحيد، ثم هاهي دعواتهم تنقلب بعد مدة على أيدي أتباعهم إلى شرك ودعوى أن لله ولداً، وأن الإله ثالث ثلاثة، وأنه ينام ويندم ويعرض له ما يعرض للبشر. فما سبب ذلك؟ إنه لا شك تدخل البشر في دين الله، وإضافتهم إليه ما يرونه من آراء، وحذف ما لا يروقهم من أحكام، وتعديل ما يرونه من شرائع، وهكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت