فهرس الكتاب

الصفحة 16211 من 19127

كان رضيَ الله عنه فقيهًا، اجتهد؛ فأقرَّه النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - على اجتهاده؛ روى عبدالرحمن بن جُبَيْر، عن عمرو بن العاص قال:"احتلمتُ في ليلةٍ باردةٍ، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقتُ إنِ اغتسلتُ أن أهلك، فتيمَّمْتُ، ثمَّ صلَّيْتُ بأصحابي الصُّبْحَ، فذكروا ذلك للنبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: (( يا عمرو، صلَّيْتَ بأصحابكَ وأنت جُنُبٌ؟! فأخبرتُه بالذي منعني من الاغتسال، وقلتُ: إني سمعت الله يقول: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] ؛ فضحك رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم يَقُلْ شيئًا"؛ أخرجه أبو داود، وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم [8] .

ومن مناقبه - رضيَ الله عنه: أنه هدم صنم سُوَاعٍ بعد فتح مكة، وفي عهد أبي بكر حارب قُضَاعَة لما ارْتدُّوا عنِ الإسلام، وكان في معركة اليرموك على ميمنة الجيش الإسلامي، وثَبَتَ في مكانه حين أصاب الرُّومُ أعينَ سبعمائةٍ منَ المسلمين، ومعه أصحاب الرايات، وقاتل الروم بقوَّةٍ حتى كتب الله تعالى النَّصر للمسلمين، وله مشاركات فاعلة في فتح الشام، وهو الذي فتح مصر [9] .

وكان عمر بن الخطاب - رضيَ الله عنه - معجبًا بدهائه، حتى إن عمر إذا استضعف رجلاً في رأيه قال:"أشهد أنَّ خالقكَ وخالقَ عمروٍ واحدٌ"؛ يريدُ: خالق الأضداد [10] .

ولم يدفعه دهاؤه وحِنْكَتُهُ إلى الغرور والتكبُّر؛ بل كان حسن الخُلُق، يقول قَبِيصَةُ بن جابر:"صحبتُ عمرو بن العاص، فما رأيتُ رجلاً أَبْيَنَ قرآنًا، ولا أكرم خُلُقًا، ولا أشْبَهَ سريرةً بعلانيةٍ منه" [11] .

فرضيَ الله عنه وأرضاه، وجعل دار الخُلْد مثواه.

وأقول قولي هذا، وأستغفرُ الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثَّانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت