فهرس الكتاب

الصفحة 16275 من 19127

وقد روى أنس رضي الله عنه: (أنه جاء ثلاثة رهط إلى بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادته، فلما أخبروا بها كأنهم تقالُّوها، وقالوا: أين نحن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:(( أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله، إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ) [13] .

وفي حديث آخر: (قال صلى الله عليه وسلم:(( وفي بُضْع أحدكم صدقة! ) )قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: (( أرأيتم لو وضعها في حرام؛ أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) )) [14] .

والأمثلة كثيرة لوسطية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أموره كلها، وقد تميزت حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - في جميع جوانبها بالاتزان والاعتدال، وكان مثلاً في تطبيق المنهج الوسط، الذي جاء به من عند الله سبحانه، حيث انعكس ذلك المنهج على تصرفاته وسلوكه القويم، فكانت حياته نبراسًا لأمته من بعده في التوازن والاعتدال.

وكان - صلى الله عليه وسلم - حريصاً على توجيه أصحابه إلى التوازن المقسط بين دينهم ودنياهم، وبين حظ أنفسهم وحق ربهم، وبين متعة البدن ونعيم الروح، فإذا رأى من بعضهم غلوًا في جانبٍ؛ قوّمه بالحكمة، وردّه إلى سواء الصراط.

وهكذا تعلم الصحابة أن يوازنوا بين مطالب دنياهم وآخرتهم، وأن يعملوا للدنيا كأحسن ما يعمل أهل الدنيا، ويعملوا للآخرة كأحسن ما يعمل أهل الآخرة [15] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت