فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القدوة في الاعتدال؛ حين طبَّق ذلك ليرى صحابته فعله ويقتدوا به؛ فعن جابر رضي الله عنه: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماءٍ فرفعه، حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال:(( أولئك العصاة! أولئك العصاة! ) ). وفي رواية: فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدحٍ من ماء بعد العصر) [16] .
فهذا الحديث يبين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك الصيام في السفر؛ ليقدم القدوة لأصحابه، الذين شق عليهم الصيام، فأفطر ليفطروا، وسمى المخالفين له في إفطاره: عصاة؛ لأن الغلو في مثل هذه الأمور يؤدي إلى المعصية.
ومن هديه - صلى الله عليه وسلم - الاقتصاد في الموعظة، كما روى ذلك ابن مسعود رضي الله عنه: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخولنا بالموعظة في الأيام؛ كراهة السآمة علينا) ، وبوَّب عليه البخاري باباً بعنوان: (ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا) [17] .
وقد أخذ ابن عباس - رضي الله عنهما - بهذا الأدب، فوجه عكرمة قائلاً: (حدث الناس كل جمعة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات، ولا تُمِلَّ الناس هذا القرآن) [18] .
وأخذ أكثر الصحابة بهذا الهدي النبوي الشريف، وعملوا به. فعن أبي وائل قال: (كان عبد الله بن مسعود يذكِّر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددتُ أنك ذكرتنا كلَّ يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخوّلكم بالموعظة كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخوّلنا بها مخافة السآمة علينا) [19] .