فهرس الكتاب

الصفحة 16294 من 19127

وإذا كان لفظ العبودية يتضمن كمال الذل والحب، فإن حب العبد لربه يحرك إرادة القلب، وبقدر هذه المحبة يقدم الإنسان على فِعْل ما يُرضي الله"فإذا كانت المحبة تامة، استلزمت إرادة جازمة في حصول المحبوبات" [22] :

ويضرب ابن تيميَّة على ذلك مَثَلاً بالجهاد؛ الذي هو بذل ما في وسع المؤمن وقدرته في تنفيذ ما يحبه الله، ودفع ما يكرهه، والمحب لله ولرسوله يحتمل أكثر من غيره ممن يطلبون أغراضًا أخرى؛ كطلب الرياسة أو المال أو أمور أخرى، قد تجلب لهم ضررًا، ويسلكون طرقًا متعددة للحصول على مطلوباتهم، ومن ثَمَّ يخضعون لهذه الرغبات والأهواء، بينما المؤمن أشد حبًّا لله؛ كما وصفه الله تعالى بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] ، وهنا يقول ابن تيميَّة:"إذا تبيَّن هذا، فكلما ازداد القلب حبًّا لله، ازداد له عبودية وحريَّة عما سواه، وكلما ازداد له عبودية، ازداد له حبًّا وحرية عما سواه" [23] .

ولكنه يضع شرطًا لهذه المحبة؛ حتى يصبح سلوك الفرد بما يَرضى اللهُ؛ لأنه إذا ضَعُف العقل، وقلَّ العلم بالدين، وفي النفس محبة انبسطت النفس بحقها؛ فتقع في الرذائل [24] ، ولهذا فإنَّه يقرن نجاة من عقاب، مستشْهِدًا بِقَوْلِ مَن قال مِن السلف:"مَن عَبَدَ الله بِالحُبّ وحده فهو زنديق، ومَن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومَن عبَده بالخوف وحده فهو حروري - أي كالخوارج - ومَن عَبَدَه بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن" [25] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت