فهرس الكتاب

الصفحة 16307 من 19127

ولكن، ربما يَرِدُ بخاطر القارئ ما يجول في الأذهان من ارتباط الأوامر الدينية بالنفع والضرر؛ أي: هل الأوامر تتعلَّق فقط بتحقيق النفع وتجنّب الضرر، أم هناك حِكَم أخرى في بعض الأوامر الدينية نجهل الحكمة منها؟!:

إزاء هذه الخواطر يجيبنا ابن تيميَّة:

ينظر شيخ الإسلام إلى الحكمة من الأوامر الدينية الشرعية مقسِّمًا إياها إلى ثلاثة أقسام:

إحداها: أن تكون في نفس الفعل؛ وإن لم يأمر به؛ كما في الصدق والعدل ونحوها من المصالح الحاصلة لمن فعل ذلك، وإن لم يؤمر به، والله تعالى يأمر بالصلاح وينهى عن الفساد، فإنه سبحانه يأمر بالعدل وينهى عن الظلم، ولهذا لاحظ ابن تيميَّة أن الله تعالى يَنصُر الدولة العادلةَ، وإن كانتْ كافرة، ولا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظالمة، ولو كانت مؤمنة.

والنوع الثاني: أنَّ ما أمر به وَنَهَى عنْهُ صار متَّصفًا بحسنٍ اكتسبه من الأمر، وقُبْحٍ اكتسبه من النهي؛ كالخمر التي كانت لم تحرَّم ثم حرمت؛ فصارت خبيثة، والصلاة إلى الصخرة ببيت المقدس التي كانت حسنة، فلما نهى عنها صارت قبيحة، فإنَّ ما أمر به يحبه ويرضاه، وما نهى عنه يبغضه ويسخطه، وهو إذا أحب عبدًا ووالاه أعطاه من الصفات الحسنة ما يمتاز بها على مَن أبغضه وعاداه، وكذلك المكان والزمان الذي يُحبّه ويُعظّمه؛ كالكعبة وشهر رمضان، يخصّه بصفات يميزه بها على ما سواه، بحيث يحصل في ذلك الزمان والمكان من رحمته وإحسانه ونعمته ما لا يحصل في غيره.

فإن قيل: الخمر قبل التحريم وبعده سواء، فتخصيصها بالخبث بعد التحريم ترجيح بلا مرجح؟!:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت