فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قيل ليس كذلك؛ بل إنَّما حرمها في الوقت الذي كانت الحكمة تقتضي تحريمها، وليس معنى كون الشيء حسنًا وسيئًا مثل كونه أسود وأبيض؛ بل هو من جنس كونه نافعًا وضارًّا، وملائمًا ومنافرًا وصديقًا وعدوًّا، ونحو هذا من الصفات القائمة بالموصوف التي تتغير بتغير الأحوال، فقد يكون الشَّيْءُ نافعًا في وقت ضارًّا في وقت، والشيء الضارّ قد يُترك تحريمه إذا كانت مفسدة التحريم أرجح؛ كما لو حرمت الخمر في أول الإسلام، فإن النفوس كانت قد اعتادتها عادة شديدة، ولم يكن حصل عندهم من قوة الإيمان ما يقبلون ذلك التحريم، ولا كان إيمانهم ودينهم تامًّا حتى لم يبقَ فيه نقص إلا ما يحصل بشرب الخمر مِن صدها عن ذكر الله وعن الصلاة، فلهذا وقع التدريج في تحريمها؛ فأنزل الله أولاً فيه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219] ، ثم أنزل فيها - لما شربها طائفة وصلَّوْا، فغلط الإمام أثناء القراءة - آيةَ النهي عن الصلاة سكارى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] ، ثم أنزل الله آية التحريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90 - 91] .