فهرس الكتاب

الصفحة 16309 من 19127

والنوع الثالث: أن تكون الحكمة ناشئةً من نفس الأمر، وليس في الفعل أَلبتةَ مصلحةٌ، لكن المقصود ابتلاء العبد: هل يطيع أو يعصي، فإذا اعتقد الوجوب، وعزم على الفعل حصل المقصود بالأمر فينسخ حينئذ، كما جرى للخليل في قصة الذبح: فإنه لم يكن الذبح مصلحة، ولا كان هو مطلبَ الرَّبِّ في نفس الأمر؛ بل كان مراد الرب ابتلاءَ إبراهيم؛ ليقدِّم طاعة ربه ومحبته على محبة الولد، ولا يبقى الله أن يهبه إياه وهو خليل الله، فأراد تعالى تكميل خُلَّته لله بأن لا يبقى في قلبه ما يزاحم به محبة ربه:

{فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} [الصافات: 103 - 106] ، ومثل هذا الحديث الذي في صحيح البخاري؛ حديث أبرص وأقرع وأعمى، كان المقصود ابتلاءهم لا نفس الفعل [61] .

وفيما يلي نص الحديث المشار إليه:

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إن ثلاثة من بني إسرائيل، أبرص وأقرع وأعمى، أراد الله أن يبتليَهم، فبعث إليهم مَلَكًا، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أَحَبُّ إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قذرني الناس، فمسحه، فذهب قَذَرُهُ، وأُعطي لونًا حسنًا، قال: فأي المال أَحَبّ إليك؟ قال: الإبل، أو قال البقر - شكَّ الراوي - فأُعطي ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها، فأتى الأقرع، فقال: أي شيء أَحَبّ إليك؟ قال: شَعْر حسن، ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس، فمسحه فذهب عنه وأُعطِيَ شعرًا حسنًا، قال: فأي المال أَحَبُّ إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حاملاً قال: بارك الله لك فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت