فهرس الكتاب

الصفحة 16311 من 19127

وفي ضوء هذا الشرح يأتي إلى تفسير قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، فهي متعلقة بالإرادة الدينية الشرعية، وقد يقع مرادها وقد لا يقع، والمعنى: إن الغاية التي نحب لهم ونرضى لهم، والتي أمروا بفعلها، هي العبادة؛ فهو العمل الذي خلق العباد له، أي هو الذي يحصل كمالهم وصلاحهم، الذي به يكونون مَرْضِيِّينَ محبوبين، فمن لم تحصل منه هذه الغاية، كان عادمًا لما يحب ويرضى، ويراد له الإرادة الدينية التي فيها سعادته ونجاته، وعادمًا لكماله وصلاحه، العدم المستلزم فساده وعذابه [62] .

محاسن الأخلاق:

وهنا يتخذ شيخ الإسلام من العبادات الدِّعامَةَ الأساسيةَ لمحاسن الأخلاق ومكارمها:

ففي دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يجعل ابن تيميَّة في باب المعروف أعمالَ العبادات كلها، والإيمان بالله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإحسان وهو أن يعبد الإنسان ربه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، وسائر ما أمر الله به ورسوله من الأمور الباطنة والظاهرة؛ أي إخلاص الدين لله والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخشية من عذابه، والصبر لحكمه، والتسليم لأمره، وكلها من الأمور التي تلمح فيها مدى قوة البواعث على الأعمال، ثم يَقرن ابن تيميَّة بين العبادات وغيرها من أنواع السلوك، التي تُعَدّ أقربَ إلى محيط الأخلاق، ولكن الاقتران يدلنا على أنه لا يفرق بينها وبين أعمال العبادات؛ لأنَّ قواعد الأخلاق في الإسلام لا يمكن فصْلُها عن أصوله، إنه بعد سرد تفاصيل أعمال العبادات على سبيل الحصر يأتي بغيرها من الأعمال بقوله:"ومثل صدق الحديث، والوفاء بالعهود، وأداء الأمانات إلى أهلها، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والتعاون على البر والتقوى، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والصاحب والزوجة، والسلوك، والعدل في المقال والفعال".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت