فهرس الكتاب

الصفحة 16338 من 19127

لقد أقبلنا عليه في رمضان بقلوبنا، واجتهدنا في أعمالنا، ولازمنا مساجدنا، ولم تفارقنا مصاحفنا، ورأينا صلاحا في قلوبنا، ووجدنا لذة عظيمة لم نجدها في أي شيء من متاع الدنيا، أتُرانا بعد رمضان نفارق ذلك، ونبتعد عنه، ونحن نعلم أن ربنا أسرع إلينا من سرعتنا إليه، ونحرم أنفسنا لذة عبادته وطاعته، والانكسار بين يديه، والافتقار إليه، ونحن الفقراء إليه وهو الغني عنا؟!

قال إبراهيم بن أدهم لأبي يوسف الغسولي: يا أبا يوسف، لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور لجالدونا بالسيوف أيامَ الحياة على ما نحن فيه من لذيذ العيش وقلة التعب، فقلت له: يا أبا إسحاق، طلب القوم الراحة والنعيم فأخطأوا الطريق المستقيم.

ومن تأمل حالنا، وقارنه بحال سلفنا الصالح عجب من ذلك؛ إذ نعجب بقليل عملنا، وتزهو نفوسنا، ولا نخاف الرد وعدم القبول. أما سلفنا الصلاح فمع كثرة عملهم، وشدة اجتهادهم يخافون من عدم القبول، ويدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فإذا بلَّغهم إياه دعوه ستة أشهر أن يتقبله منهم، وحقَّ فيهم وفي أمثالهم قول الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:57-61] .

ورضا العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه، وجهله بحقوق العبودية، وعدم علمه بما يستحقه الرب جل جلاله وبما يليق أن يعامل به.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها، وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارا عقيب الطاعات؛ لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه. اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت