أَرَى قَمَرَيْ مَجْدٍ وَفَرْعَيْ خِلافَةٍ يَزِينُهُمَا عِرْقٌ كَرِيمٌ وَمَحْتِدُ [23] .
يا أمير المؤمنين هما فرع زكا أصله، وطاب مغرسه، وتمكنت في الثرى عروقه، وعذبت مشاربه، وأبوهما أغرّ، نافذ الأَمْر، واسع العلم، عظيم الحِلْم، يَحكُمانِ بِحُكْمه، ويستضيئان بِنُورِه، وينطِقَانِ بِلِسانه، ويتقلَّبان في سعادته، فأمتع الله أميرَ المؤمنين بهما. وآنس جميع الأمة ببقائه وبقائهما، ثم قلتُ لَهُما: هل تَرْوِيان مِن الشعر شيئًا؟ فقالا: نعم، ثم أنشدني محمد:
وَإِنِّي لَعَفُّ الفَقْرِ مُشْتَركُ الْغِنَى وَتَارِكُ شَكْلٍ لا يُوَافِقُهُ شَكْلِي
وَأَجْعَلُ مَالِي دُونَ عِرْضِيَ جُنَّةً لِنَفْسِي وَمِفْضَالٌ بِمَا كَانَ مِنْ فَضْلِ
ثم أنشد عبدالله:
بَكَرَتْ تَلُومُكَ مَطْلَعَ الْفَجْرِ وَلَقَدْ تَلُومُ بِغَيْرِ مَا تَدْرِي
مَلَكَ الأُمُورَ عَلَيَّ مُقْتَدِرٌ يُعْطِي إِذَا مَا شَاءَ مِنْ يُسْرِ
وَلَرُبَّ مُغْتَبِطٍ بِمَرْزَئِهِ وَمُفَجَّعٍ بِنَوَائِبِ الدَّهْرِ
وَتَرَى قَنَاتِي حِينَ يُغْمِدُهَا عَضُّ الثِّقَافِ بَطِيئَةَ الْكَسْرِ
فما رأيت أحدًا من أولاد الخلفاء وأغصان هذه الشجرة المباركة أذرب [24] ألسنا، ولا أَحْسَنَ ألْفاظًا، ولا أشدَّ اقْتِدارًا على تأدِيَة ما حفِظَا مِنْهُما، ودعوتُ لَهُما دُعاءً كثيرًا، وأمَّن الرشيد على دعائي، ثم ضمَّهُما إليه، وجَمَع يدَهُ عليهما، فلم يبسطها حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره.