ولما اخترعت الإذاعة والتلفزة نشطت هذه الدعوات الآثمة من جديد، وتبنى الدعوة إليها تلامذة المفسدين المتقدمين، ودعوا في حوارات وبرامج إلى إماتة لغة القرآن واستبدال غيرها بها، وسخَّروا المشاهد التمثيلية والمسرحية الهزلية لهذه المهمة القذرة، فصوروا مدرسي اللغة العربية في أشكالهم وحركاتهم ولباسهم في صور البله والمعاتيه والدراويش، وجعلوهم أضحوكة للمشاهدين والمستمعين، وما من نقيصة إلا ألصقوها بهم، ولا محمدة إلا نفوها عنهم، فوصموهم بالغش والكذب والاستغلال والجهل والجبن والتخلف؛ لينقدح في ذهن المستمع والمشاهد أن هيئتهم وأخلاقهم مستمدة مما يدرسون من قواعد اللغة العربية وبلاغتها ونحوها وصرفها. فينصرف الناس عنهم وعن المواد التي يدرسونها، وتُلقى في قلوبهم كراهيتها.
وفي مقابل هذه الصورة المهينة التي ظلموا بها معلمي العربية فإنهم يصورون مدرسي اللغات الأجنبية في أحسن هيئة وأبهى حلة، ويخلعون عليهم من الأوصاف والأخلاق والعلم والثقافة والكرم والشجاعة ما أكثره كذب وتزييف؛ ليستقر في ذهن المشاهد والمستمع أن هيئتهم وأخلاقهم وثقافتهم مستمدة من اللغات الأجنبية التي يدرسونها. فيحبهم الناس، ويتمنون لأولادهم ما لهم.
وهناك عشرات المشاهد التمثيلية والمسرحية المحفوظة شاهدة على هذا التزييف والإضلال للناس. وهكذا تصاغ العقول عبر الإعلام، ويطبع على القلوب، وتزيف الحقائق، وتزور المعلومات بما يوافق رغبات المستعمرين وأذنابهم.
وإذا كان كل هذا الإضلال قد وقع في المشرق العربي فإن المغرب العربي قد نال حظه الوافر من حرب على اللغة العربية وعلومها وعلى من بلَّغ قرآنها ودينها؛ إذ أصبحت لغة القرآن لغة ثانية بعد الفرنسية، وجاء في تقرير أعدته لجنة العمل المغاربية الفرنسية: إنَّ أول واجبٍ في هذه السبيل هو التقليل من أهمية اللغة العربية، وصرف الناس عنها، بإحياء اللهجات المحلية واللغات العامية في شمال إفريقية.