فهرس الكتاب

الصفحة 16461 من 19127

"يسكن محمد بك في قصر جميل على ضفاف النيل، تحوطه حديقة غناء، تتمايل أشجارها كلما داعبها النسيم، وتسمع فيها موسيقى الطيور ممزوجة بألحان أمواج النيل، تلك موسيقى جميلة هادئة، كأنها صوت الحب في آذان العاشق اليائس، وإذا ظهر الشفق خلف النخيل، وارتدت السماء ثوبها الأحمر قبيل الغروب خيل للناظر أن هذا الاحمرار هو دموع الليل يودع النهار. وإذا بزغ القمر في القبة الزرقاء في ليلة من ليالي الصيف، ود صاحب البيت ألا يفارق الحديقة حتى مطلع الفجر، هذا هناء كبير جادَ به اللهُ على هذا الشيخ الصالح؛ مكافأة له على عبادته وصلاحه. فهو به قرير العين، مثلوج الفؤاد، تلوح عليه أرْيحِيّة السرور كلما ذكر الله، ويلمع في غرته نور البِشر كلما صلى على نبيه" [19] .

هذا الوصف البديع لمكان الأحداث، الذي تُمزح فيه الرومانسية الفياضة بروحانية إسلامية شفافة، إنما يدل على إدراك محمد تيمور الفني الرفيع لعنصر المكان، وما يمكن أن يلعبه من دور في صياغة أحداث قصته. كما أن وصف الطبيعة بهذا المستوى الرصين قد أسهم إسهاماً أساساً في إتقان حبكة القصة. حيث إن الإحساس بهذا الجمال والانفعال به كان هو الدافع الأول لأن يغير محمد بك عبد القادر موقفه من زواج ابنته، ويرضى بمن اختارته زوجاً لها حتى ولو كان فقيراً.

كما أنه من غير المنطقي أن يتمكن الأب من اكتشاف سبب إعراض ابنته عن الزواج وملاحظته إياها مع حبيها بعيدا عن الحيز الجغرافي لقصره وحديقته لما أفهَمَنا إيّاه مُعرِّب القصة من أنها نشأت نشأة إسلامية محافِظة، من خلال وصفه لشخصية أبيها في بداية القصة.

هذا على عكس ما حدث في قصة موباسان حيث إن معرفة القس مارينيان بسلوك ابنة أخته كان قائماً على عنصر الإخبار من قبل زوجة خادم الكنيسة، لذلك كان من الضروري أن يسعى هو إلى حيث يلتقيان بعيداً عن أعين الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت