فوصفه بالاستقامة يتضمن قربه؛ لأن الخط المستقيم أقرب خط واصل بين نقطتين، وكلما اعوج طال وبعد.
واستقامته تتضمن إيصاله إلى المقصود، ونصبه لجميع من يمر عليه يستلزم سعته، وإضافته إلى المنعم عليهم ووصفه بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال يستلزم تعينه طريقًا.
الملمح الرابع: إضافة الصراط إلى الموصول المبهم؛ فلم يقل صراط النبيين والمرسلين
وفيه ثلاث نكت بديعة:
أولها: إشعار الذهن بأن استحقاق الموصوفين أن يكونوا من أهل النعمة إنما هو بهدايتهم إلى هذا الصراط، فتعليق الحكم بالصلة دون الاسم الجامد هنا أنسب وأليق، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [الأحقاف: 13] .
ثانيها: نفي التقليد عن القلب بإدراكه أن من هدي إلى هذا الصراط فقد أنعم الله عليه، فإذا عرف غاية ما توصل إليه الهداية إلى الصراط المستقيم نشط وتحرر.
والفرق بين هذه النكتة والتي قبلها أن الأولى تضمنت الإخبار بأن أهل النعمة هم أهل الهداية إلى الصراط المستقيم، والثانية تضمنت طلب الداعي وإرادته أن ينزل منزلتهم.
ثالثها: أن الآية عامة في جميع طبقات المنعم عليهم، ولو أتى باسم خاص لفات الداعي سؤال الهداية إلى تفاصيل الطريق التي سلكها كل من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وهذا أجلُّ مطلوب، وأعظمُ مسؤول، ولو عرف الداعي قدر هذا السؤال لجعله هِجِّيراه [6] ، وقرنه بأنفاسه، فإنه لم يدع شيئًا من خير الدنيا والآخرة إلا تضمنه.
الملمح الخامس: لِمَ قال الله تعالى في وصف أهل الصراط المستقيم: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ولم يقل (المُنْعَم عليهم) كما قال (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) ؟
فيه أربع فوائد:
الفائدة الأولى:
أن النعمة هي الخير والفضل [7] ، والغضب من باب الانتقام والعدل، والرحمة تغلب الغضب؛ فأضاف إلى نفسه أكمل الأمرين، وأسبقهما، وأقواهما.