وهذه طريقة القرآن في إسناد الخيرات والنعم إلى الرب سبحانه، وحذف الفاعل في مقابلتهما، كقول مؤمني الجن: {وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10] ، وقول الخضر في شأن الجدار واليتيمين: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا} [الكهف: 82] ، وقال في خرق السفينة: {فَأَرَدتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف 79] ، ثم قال بعد ذلك: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82] ، ونظيره قول الخليل عليه السلام: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 78.79.80] ؛ فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى، ولما ذكر المرض قال: وإذا مرضت، ولم يقل: وإذا أمرضني، وقال: فهو يشفين.
الفائدة الثانية:
أن ضمير المنعم إنما أبرز ذكرًا له وشكرًا على إنعامه بالهداية إلى الصراط المستقيم، وهما الذكر والشكر الواردان في قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] .
الفائدة الثالثة:
أن الله تعالى هو المنفرد بالنعم كما قال: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل: 53] ، فاقتضى هذا الاختصاصُ أن يسند إليه الإنعام بضمير الإفراد، بخلاف غضبه على من استحقه؛ حيث حذف فاعله.
الفائدة الرابعة:
أن صراط المغضوب عليهم في مقام الإعراض عنه وعن أهله، والإشارة إلى محض صفتهم، والاقتصار عليها، بخلاف صراط أهل النعمة؛ فإنه في مقام تعيينه، ورفع قدره، والإشادة بذكره وأهله.
الملمح السادس: ذكر الصراط المستقيم مفردًا معرفًا تعريفين: تعريفًا باللام - وقد مر -، وتعريفًا بالإضافة...