فهرس الكتاب

الصفحة 16656 من 19127

وأخرج عبدالرزَّاق [37] - رحمه الله - في"مصنَّفه"عن عمرو بن شُعيب [38] - رحمه الله: قال: وجد عمر بن الخطاب ابن أبي بَلْتَعَةَ يبيع الزبيب بالمدينة، فقال: كيف تبيع يا حاطبُ، فقال: مُدَّيْن، فقال تبتاعون بأبوابنا وأفنِيَتِنا وأسواقنا، تقطعون في رقابنا، ثم تبيعون كيف شِئْتُمْ، بِعْ صاعًا وإلا فلا تَبِعْ في سوقنا، وإلا فسيروا في الأرض واجلبوا، ثم بيعوا كيف شئتم [39] .

والشاهد من ذلك أن عمر - رضي الله عنه - كان يدخل السوق، ويتفَقَّدُ أحوال الباعة، ويُراقب الأسعار، ولذا فقد مَنَعَ حاطبًا أن يبيع بثمنٍ أعلى مما يبيع به الناس، وذلك أن حاطبًا - رضي الله عنه - كان يبيع مُدَّيْن بدرهم، فأمره أن يبيع صاعًا بدرهم [40] .

وبما تقدم تعلمُ مشروعِيَّةَ المراقبة، والإشرافِ على الأسواق المالية المعاصرة من قِبَل الدولة؛ إذ هِيَ سوق من الأسواق وإن لم تتقَيَّدْ بمكان؛ وذلك أن المقصود الإشراف على ما يجري فيها من معاملات، لا المكان الذي تجري فيه تلك المعاملات.

والمقصود من الإشراف عليها ضبْطُ التعامل فيها بما يحقق العدل بين المتعاملين، ويوصل إليهم حقوقهم وَفْقًا لأحكام الشريعة الإسلامية الغرَّاء؛ إذ"موضوع الحِسبة: إلزام الحقوق، والمعونة على استيفائها" [41] .

وقد سبق بيان أنَّ مُهِمَّة الرقابة والإشراف على الأسواق المالية في العصر الحاضر تُسْنَد - في العادة - إلى هَيْئَاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ، أو جِهات حكوميَّة مُعيَّنَة، أو لِجانٍ مُشَكَّلَة من أعضاء من عِدَّةِ جهاتٍ حكومية، وكلُّ ذلك سائِغٌ شرعًا إذا روعي في ذلك أن يكون القائمون عليها من أهل الكفاية في دينهم وعلمهم وخِبْرَتهم، وأن تنطلق فيما يصدُر عنها من تنظيمات، أو قرارات من أحكام الشريعة الإسلامية.

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّةَ - رحمه الله:"وكثير من الأمور الدينية هو مشترَك بين وُلاة الأمور، فمَنْ أدَّى فيه الواجب وجبت طاعته فيه" [42] .

المطلب الثاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت