ولعلَّ أوَّل مشكلة من هذه المشكلات هي الضَّجَرُ والملل، فاضطرار أيِّ إنسان لقضاء ساعات الفراغ من يومه دون عمل يجعله ضَجِرًا، والضَّجَرُ يسبب مشكلات متعدِّدة على صعيد الفرد والمجتمع، وله انعكاسات نفسية خطرة؛ فالضَّجِرُ يتحلَّلُ تدريجيًّا من قِيَمِهِ وأخلاقِهِ، وقد يدفعه هذا التحلُّل إلى ارتكاب حماقات عديدة يعاقب عليها القانون، وما التصرفات غيرُ الأخلاقية والتجاربُ في ميدان العقاقير المنشطة والمهدئة والمهلوسة والانضمام إلى مجموعات الرافضين للمجتمع وتقاليده وعاداته وقيمه، إلا نتائجُ حتميةٌ وطبيعيةٌ للضَّجَر، والملل الناجمَيْنِ عن كثرة وقت الفراغ والدَّعة؛ بالإضافة لأسباب أخرى.
وليست هذه المظاهر التي تكثر وتنتشر في المجتمعات المتقدِّمة والغَنِيَّة جديدة، فقد كان سُلوك بعض النبلاء وأبناء الطبقات الراقية والغَنِيَّة في الماضي سُلوكًا لا ينسَجِمُ والمعاييرَ الخُلُقِيَّة التي كانت سائدة في عصرهم؛ بل كثيرًا ما انغمس بعضهم في مفاسدَ عديدةٍ، ونرى مثل هذا في المدن قديمها وحديثها نظرًا لما تُوَفِّرُهُ المدنُ لبعض الناس من فراغ؛ وليس الثراء هنا عاملاً أساسيًّا، وإن كان عاملاً مساعدًا في دفع الناس إلى المفاسد والتبذل، فالضجر أشد قوة وتأثيرًا.