والغريب هنا أيضًا التناقض البادي في أنَّ العُمَّال بالذَّات بذلوا جهدًا كبيرًا، وصل إلى حدود العُنف أحيانًا في سبيل إنقاص ساعات العمل الَّتي كانوا يعملونها، وما إن تحقَّق لهم ما يريدون - في بعض المجتمعات الصناعيَّة - حتى بدأتِ الشكوى من الفراغ، والتبُّرم به وبما يسببه، على أنَّ ذلك لم يكنِ انتِقالاً مُباشِرًا سَلِسًا؛ فإنقاص ساعاتِ العمل اليومية إلى ثماني ساعات كان أمرًا مَقْبولاً، إذ تُرِكَ لِلعامل فرصةَ العِناية بِمُتَطلبات بيته وأبنائه وزوجته، ومع ذلك أثَّر تأثيراتٍ سيئةً في بعض العُمَّال الذين لم يكونوا مهتمين بمتطلبات عائلاتهم أصلاً، ثم طالب العمال بإنقاص ساعات العمل عن ثماني ساعات، ونجحوا في كثير من المجتمعات الصناعية؛ ولكنهم وجدوا أن إنقاص ساعة أو نصف ساعة لم تُجْدِهم نَفْعًا، ولم تَزِدْ من وقتِهِمُ الحُرِّ الخاصِّ بهم فراحوا يطالبون بأسبوع عمل أقصر، ويومين لعطلة نهاية الأسبوع، ثم طالبوا بإجازة سنوية أطول، وفي معظم المجتمعات الصناعية لا تَزيد ساعات العمل في الأسبوع عن 40 ساعة، وفي البعض تهبط إلى 35 ساعة، ونتيجةَ طبيعةِ العمل في بعض الصناعات أو تحقيقًا لرغبات العمال أضيف وقت العمال الحر الذي كسبوه بتخفيض ساعات العمل إلى وقت فراغهم في إجازاتِهم فوق فراغهم في عطلة نهاية الأسبوع، وبقيَّة ساعات النهار.
وكان من الممكن أن تنفجر مشكلة الفراغ بشكل حادٍّ لولا أن سارع عدد من رجال الأعمال إلى الاتجار بها، فنشأت صناعات معظمها يقدم حلولاً ترفيهية للناس؛ لملء أوقات فراغهم، وأصبحت صناعات الملاهي والسياحة والألعاب الرياضية والمسارح وما شابهها تُدِرُّ رِبحًا كبيرًا على أصحابها؛ كما تنبهت بعض الحكومات والسلطات المسؤولة إلى ذلك، فأنشأت العديد من المتاحف والمعارض وقصور الثقافة والفنون والمكتبات العامة، وجعلت مع زيارة الناس لها المحاضرات والدراسات في أبحاث معينة متعددة على مدار السنة.