على أنَّ المتقاعدين عن العمل وكبارَ السِّنِّ يُبَلْوِرُونَ المشكلة من زاوية أخرى؛ فهم خِلافًا للعاملين الذين في معظم الحالات يرغبون في مزيد من أوقات الفراغ، يشكون من تراكم أوقات الفراغ، وامتدادها أمامهم بدون أمل في تناقُصِها أوِ التخفيف من ثقلها.
وقد ساعد على تضخيم المشكلة وزيادتِها حِدَّةً أنَّ تَحسين وسائل العناية الصحيَّة والطبيَّة جعلت أعداد الذين في سِنِّ الشيخوخة تصل إلى أكثر من خُمْسِ عدد السكان في كثير من المجتمعات المتقدمة، وهذه حالة فذَّة لم يَسْبِقْ أن عرفها المجتمع الإنسانيُّ في تاريخه كله، فماذا يمكن أن يُعمَل لهم لتخفيف إحساسهم بالفراغ والدَّعة والضَّجَر والملل؟:
إنَّ الَّذِي يعمل فعليًّا اليوم ممَّن بلغ الستين والسبعين والثمانين قليل جدًّا، ففي بعض المجتمعات التي ما زالت تعطي مفهوم الأسرة شيئًا منَ الاحترام، يعيش هؤلاء في غُربَة عن جيل الأحفاد، وأحيانًا الأبناء ولا يعملون سوى مستشارين في بعض الأمور، ما لم يكن الواحد منهم قويَّ الشخصية متمَلِّكًا ناصيةَ الأُمور في العائلة أصلاً، أو ذا ثروة ينتظر أفراد الأسرة تَوَارُثَها. على أنَّ غالبيَّتَهُمْ يُصْبِحُون في منزلة الضيوف في البيت ويُحتَرَمون؛ ولكن بدون أن يكون لهم أثر كبير في حياة الأُسرة، وينحدر عدد كبير منهم إلى مراكز ثانوية وأحيانًا حتى إلى منزلة الخَدَم، فيُعْنَوْنَ بِالأحفاد بينما يذهب الابن وزوجته إلى عملهما أو إلى حفلات أصدقائهما، أو يقومون بأعمالٍ أُخْرَى من هذا القبيل.