فهرس الكتاب

الصفحة 16808 من 19127

هؤلاء الذين عطّلوا تفكيرهم الإيماني الذي وهبهم الله إياه وغرسه في فطرتهم السليمة، هؤلاء يصبح ميزانهم مدى ما تهزّهم الخطبة أو المحاضرة أو زخرف الكلام العاطفي، ومدى ما تحرّك عواطفهم وشعورهم، حتى إذا انتهت الخطبة أو المحاضرة وسألت أحدهم بعد ذلك مباشرة أو بعد ساعات أو أيام: ما أهم القضايا التي أثارتها الخطبة؟ فَرَكَ رأسه محاولاً أن يتذكر، وما هو بمتذكر أبداً. ولو سألته: ماذا استفدت لتطبيقه في حياتك؟ لصمت وحار كيف يجيب.

يغلب على الأمة في هذه الحالة أن تَنْطلق الجماهيرُ فيها في مظاهرات صاخبة، تدوّي بها شعاراتهم الهائجة، وتبحُّ بها حناجرهم، ويهزّون سواعدهم، وبعد آلاف المظاهرات والخطب والشعارات لا تنال الأمة إلا الهزيمة بعد الهزيمة، ذلك لأن الإنسان لم يُبنَ ليتحمل مسؤوليته، ولا لينهض إلى أمانته، ولا ليوفي بعهده مع ربّه وخالقه، ولا ليدرس منهاج الله، ولا ليفكّر! فقد ترك ذلك كله لسواه، وجلس ينتظر من يهزّه ويحرّكه، فإذا هو يغطّ بعد حين في نوم ثقيل، أو يصحو ليسير في موكب العبيد التائهين.

إن محاولة تغيير الفتوى بهذه الأساليب، إنما تفسد ولا تصلح؛ لأنها في حقيقتها ليست فتوى! ولكنها محاولة لتغيير الفقه وأسس الاجتهاد. كيف يقوم فقه دون مسؤولية ووفاء بها، أو كيف يكون الوفاء بالمسؤولية دون فقه حق صادق:

لا فقه دون وفاء بالمسؤولية،

ولا وفاء بالمسؤولية دون فقه،

ولا فقه دون إيمان وعلم!

إنّ جهود الغرب كله منصبّة اليوم في العالم الإسلامي على تبنّي ما يسمونهم المعتدلين من المسلمين. والحقيقة الإيمانيّة أن المسلمين العالِمين المؤمنين الصادقين هم المعتدلون حقّاً والعادلون حقاً، وهم أهل الوسط بعيدين عن الغلو والتطرّف بسبب إيمانهم الصادق وعلمهم الصادق، ولأنهم يسيرون على صراط مستقيم بيّنه الله وفصّله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت