ذلك أن نصارى أوربا سَيَّرُوا جيوشًا جَرَّارة سنة ثنتين وتسعين وأربعمائة للهجرة؛ بقصد كَثْلَكَة الشرق الإسلامي، وانتزاع بيت المقدس من المُسلمين؛ فحصل لهم ما أرادوا بسبب ضعف المسلمين، وفُشُوّ الترف فيهم، واستحكام الجهل عليهم، واختلاف أمرهم، وانتشار البدعة في أَوْسَاطهم، وقيام دولة بني عبيد الباطنية في مصر والشام [3] . وظل النصارى في حروبٍ مستعرة مع المسلمين طيلة إحدى وتسعين سنة، حتى كانت موقعةُ حِطّين التي قاد المسلمين فيها السلطانُ الصالحُ الزاهدُ صلاحُ الدين الأيوبي رحمه الله تعالى.
كان سلطانُ النَّصارى قَدْ علا، وطُغْيانُهُمْ قد استشرى، وما أكثر ما عاهد ملوكُهم ملوكَ المسلمين ثم غَدَرُوا، واسْتَبَاحُوا كثيرًا من الديار، وقتلوا النساء والصبيان. وقبل حِطّينَ بسنتين مرِض صلاح الدين مرضًا شديدًا حتى أشار عليه الأطبَّاء بأن يوصي، فحلف بالله لئن شفاه الله - تعالى - ليَصْرِفَنَّ هِمَّتَهُ كُلَّها إلى قتال الإفرنج، وليجعلنّ أكبر هَمَّهُ فتح بيت المقدس، وَلَوْ صرف في سبيل الله - تعالى - جميع ما يملك من الأموال والذخائر؛ كما حلف أن يقتل الملك النصراني أرناط ملك الكرك بيده؛ لأنه نقض العهد، وتنقص الرسول، واعتدى على قافلةٍ لِلمسلمين، فأخذ أموالهم، وضرب رقابهم وهو يقول: أين محمدكم؟ دعوه ينصركم [4] .
فشفى الله - تعالى - السلطان من مرضه، فصرف كل همته لقتال النصارى حتى جمع الله بين جند الإيمان وجحافل الكفر والطغيان في أرض حطين، ذلك أن السلطان صلاح الدين سار بجيشه إلى الإفرنج، وتوافد عليه عسكرُ المسلمين من مصر والشام وغيرها حتى كانوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ مقاتلٍ غير المتطوعين. فتسامعت الفرنج بقدومه فاجتمعوا كلهم، وتصالحوا فيما بينهم.