قال ابن كثير - رحمه الله تعالى:"وجاءوا بحدهم وحديدهم، واستصحبوا معهم صليب الصلبوت، يحمله منهم عباد الطاغوت، وضُلاَّلُ الناسوت، في خلق لا يعلمُ عِدَّتَهُم إلا الله - عزّ وجلّ - يقال:"كانوا خمسين ألفًا"، وقيل:"ثلاثًا وستين ألفًا"فتقدَّموا نحو المسلمين، وأقبل السلطان ففتح طبرية، وتقوَّى بِما فيها من الأَطْعِمة والأمتعة.. وحاز البُحَيْرَة في حوزته، ومَنَعَ الله الكفرة أن يَصِلُوا منها إلى قطرة؛ حتى صاروا في عطش عظيم، فبرز السلطانُ إلى سَطح الجبل الغربي من طبرية عند قرية يقال لها: حطين."
وجاء العَدُوّ المخذول، وفيه كُلّ ملوك النَّصارى الإفرنج في الشرق؛ فتواجه الفريقان، وتقابل الجيشان، وأسفر وجه الإيمان، واغْبَرَّ وأقتم وأظلم وجه الكفر والطغيان، ودارت دائرة السوء على عبدة الصلبان، وذلك عشية يوم الجمعة، فبات الناسُ على مَصَافِّهم.
وأصبح صباح السبت الذي كان يومًا عسيرًا على أهل الأحد، وذلك لخمسٍ بقين من ربيع الآخر، فطلعت الشمس على وجوه الإفرنج، واشتدّ الحرّ، وقوي بهم العطش، وكان تحت أقدامِ خيولهم حشيشٌ قد صار هشيمًا، وكان ذلك عليهم مشؤومًا، فأمر السلطان النفّاطة أن يرموه بالنفط، فرموه فتأجج نارًا تحت سنابك خيولهم، فاجتمع عليهم حرُّ الشمس، وحرُّ العطش، وحرُّ النار، وحرُّ السلاح، وحرُّ رشق النبال، وتبارز الشجعان، ثم أمر السلطان بالتكبير والحملة الصادقة، فحملوا وكان النصر من الله - عزّ وجلّ - فمنحهم الله أَكْتَافَهُمْ، فقتل منهم ثلاثون ألفًا في ذلك اليوم، وأسر ثلاثون ألفًا من شجعانهم وفرسانهم [5] .