وكان من جملة من أُسِر جميعُ ملوكهم إلا واحدًا هرب في أول المعركة، واستلبهم السلطان صليبهم الأعظم، وهو الَّذي يزعمون أنه صلب عليه المصلوب، وقد غلفوه بالذهب واللآلئ والجواهر النفيسة، ولم يُسمع بمثل هذا اليوم في عزِّ الإسلام وأهله، ودفعِ الباطل وأهلِهِ؛ حتى ذُكر أنَّ بعض الفلاحين من المسلمين رآه بعضهم يقود نيفًا وثلاثين أسيرًا من الفرنج وقد ربطهم بطنب خيمة، وباع بعض المسلمين أسيرًا بنعل ليلبسها في رجل، وجرت أمورٌ لم يسمع بمثلها إلا في زمن الصحابة والتابعين، فلله الحمد دائما كثيرًا طيبًا مباركًا" [6] ."
فلما تَمَّتْ هذه الوَاقِعَة، ووضعت الحرب أوزارها أمر السلطان بضرب مخيم عظيم، وجلس فيه على سرير المَمْلكة وعن يمينه أَسِرَّةٌ وعن يساره مثلها، وجيء بالأسارى تتهادى بقيودها، فمن كان فيه شرٌّ على المسلمين، أو نقض العهد ضربت عنقه.
وأجلس السلطانُ أكبر ملوك الإفرنج عن يمينه على السرير، وسائر المُلوك حوله وفيهم ملك الكرك أرناط الذي حلف السلطان في مرضه أن يقتله بيده؛ لغدره بالمسلمين، واستهزائه بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم سقى السلطان كبير ملوكهم، فشرب ملكهم ثم أعطى الملك أرناط ليشرب، فغضب السلطان وقال:"إنما ناولتك ولم آذن لك أن تسقي"، هذا لا عهد له عندي - وكان عند العرب أن الأسير إذا أكل أو شرب من مال من أسره أَمِنَ [7] - فقال السلطان:"أنت الذي سقيته وأما أنا فما سقيته؛ وذلك لئلا يأمن."
ثم تحول السلطان إلى خيمة أخرى، وطلب الملك الغادر أرناط، فلما أوقف بين يديه قام إليه بالسيف، ودعاه إلى الإسلام فامتنع، فقال له السلطان: نعم، أنا أنوب عن رسول الله في الانتصار لأمته، فقتله وأرسل رأسه إلى ملوك النصارى في خيمتهم، فخافوا وظنّوا أنهم يقتلون، فطمأنهم السلطان وقال:"لم تجر عادةُ الملوك أن يقتلوا الملوك، وأمَّا هذا فإنه تجاوَزَ حَدَّهُ، وتعرض لسبّ رسول الله، فجرى ما جرى" [8] .