والقصة الأخرى هي أغرب وأعجب، وهي: أنهم خرجوا ثلاثةً؛ هو، وشيخٌ مروزيٌّ، وآخرُ نيسابوريٌّ، فركبوا البحر، وكانت الريح في وجوههم، فبقوا في البحر ثلاثة أشهر، وفني ما كان معهم من الزاد إلا يسير، وضاقت صدورهم؛ فخرجوا إلى البر يمشون أياماً، حتى فني ما بقي معهم من الزاد والماء، فمشوا ثلاثة أيام من الصباح إلى المساء، بلا ماء ولا زاد، وقد ضعفت أبدانهم، فأخذوا يمشون على قدر طاقتهم، فسقط الشيخ مغشيّاً عليه، فحرَّكوه - وهو لا يعقل - فتركوه فمشى أبو حاتم وصاحبه النيسابوري، فضعف أبو حاتم، وسقط مغشيّاً عليه؛ فتركه صاحبه ومشى، وبصر بعد مدة قوماً قد قرَّبوا سفينتهم من البر، ونزلوا على بئر موسى - عليه السلام - فأخذ يلِّوح بثوبه إليهم، فجاؤوا ومعهم الماء، فسقوه؛ فقال لهم: الحقوا رفيقَيْن لي، قد ألقوا بأنفسهم مغشيّاً عليهم.
قال أبو حاتم:"فما شعرتُ إلاَّ برجل يصبُّ الماء على وجهي؛ ففتحت عيني، فقلتُ: اسقني؛ فسقاني شيئاً يسيراً، ورجعتْ إليَّ نفسي، ولم أروَ، فقلتُ: اسقني؛ فسقاني شيئاً يسيراً، فأخذ بيدي، وأنا أمشي أجرُّ رِجْلي، ويسقيني شيئاً بعد شيءٍ".
وكان أبو حاتم قد أخبر مَنْ جاءه برفيقهم الثالث قائلاً: ورائيَ شيخٌ ملقى. فقال له: قد ذهب إلى ذاك جماعة.
وهكذا نجا أبو حاتم، ونجا صاحباه، وبقوا عند أصحاب السفينة أياماً، حتى رجعت إليهم أنفسهم، ثم زوَّدهم أصحاب السفينة الكعكَ والسَوِيقَ والماء، وكتبوا لهم كتاباً إلى والي بلده راية، ومشوا، فنفذ ما معهم من ماء وأزواد، وتعرضوا للخطر ثانية، فقاسوا مرارة الجوع والعطش، حتى وصلوا إلى مدينة راية، فأكرمهم واليها، وبقوا عنده زمناً، ثم زوَّدهم إلى أن بلغوا مصر. [6، ج-1، ص ص 364-366] بتصرُّف.
شيوخه وتلاميذه:
لقد التقى أبو حاتم الرازي بالكثيرين من الجهابذة الكبار، وفي مختلِف البلاد التي زارها أثناء طلبه العلم ورحلاته المتكرِّرة.