وقال أبو حاتم فيما رواه ابنه عبدالرحمن عنه: قلتُ على باب أبي الوليد الطيالسي: مَنْ أَغْرَبَ عليَّ حديثاً غريباً مسنَداً صحيحاً لم أسمع به؛ فله عليَّ درهمٌ يتصدَّق به؟ وقد حضر على باب أبي الوليد خلقٌ من الخلق، أبو زرعة فمَنْ دونه، وإنما كان مرادي أن يُلقى عليَّ ما لم أسمع به، فيقولون: هو عند فلان؛ فأذهب فأسمع، وكان مرادي أن استخرج منهم ما ليس عندي، فما تهيّأ لأحدٍ منهم أن يُغْرِبَ عليَّ حديثاً [6، ج-1، ص355] بتصرف.
وهذا يدل - بكل وضوح - على سَعَة علمه، وكثرة حفظه وجمعه؛ بحيث عجز الحاضرون - مع إتقانهم، وحفظهم، وجلالتهم - عن أن يدلُّوه على حديثٍ واحدٍ ممَّا طلبَ.
قال عبدالرحمن: وسمعت أبي يقول:"جرى بيني وبين أبي زرعة يوماً تمييز الحديث ومعرفته، فجعل يذكر أحاديثَ ويذكر عِلَلَهَا، وكذلك كنتُ أذكر أحاديثَ خطأً وعِلَلَهَا وخطأَ الشيوخ، فقال لي: يا أبا حاتم، قلَّ مَنْ يفهم هذا، ما أعزّ هذا؟ إذا رفعت هذا من واحد واثنين، فما أقل من تجد مَنْ يُحْسِنُ هذا! وربما أشكُّ في شيء، أو يخالجني شيءٌ في حديثٍ، فإلى أن ألتقي معك لا أجد من يشفيني منه، قال أبي: وكذلك كان أمري [6، ج-1، ص ص355 - 356] ."
وقال أبو حاتم:"كان محمد بن يزيد الأصفاطي يحفظ التفسير، فقال لنا يوماً: ما تحفظون في قوله عز وجل: {فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ} [سورة ق: 36] ؟ قال أبو حاتم: فبقي أصحاب الحديث ينظر بعضهم إلى بعض، فقلت: أنا - وساق أبو حاتم بالإسناد إلى ابن عباس قال: ضربوا في البلاد. فاستحسن محمد بن يزيد" [6، ج-1، ص ص355 - 356] .
وقال ولده عبدالرحمن: سمعت أبي يقول:"قدم محمد بن يحيى النيسابوري الرّي، فألقيتُ عليه ثلاثة عشر حديثاً من حديث الزهري؛ فلم يعرف منها إلا ثلاثة أحاديث، وسائر ذلك لم يكن عنده، ولم يعرفها" [6، ج-1، ص358] .