أيها المؤمنون: جرت سنة الله - تعالى - في المنافقين بالإملاء لهم، وإمدادهم في طغيانهم، وإنظارهم إلى حين؛ ولذا فإن نجاحهم في بعض الأزمان والأعمال، ووصولهم إلى ما يريدون ليس نهاية المطاف، ولا هو محل غرابة عند من يقرأ القرآن ويفهمه، وقد قال الله - تعالى - في شأنهم: {اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] ، وهذا الإمداد لهم، وزيادة طغيانهم، ووصولهم إلى بعض ما يريدون، في حال غفلة من الغافلين؛ ما هو إلا ابتلاء للمؤمنين الصادقين، وتنبيهٌ لهم ليواجهوا باطلهم،ويكشفوا للناس زيفهم.
ومعركةُ المؤمنين مع النفاق والمنافقين طويلة الأمد، ابتدأت بعد بدر الكبرى، وستبقى ما بقي كفر وإيمان، وحصل للمسلمين من العظائم والمصائب على أيديهم ما لا يخفى. وما تمكنوا من دولة إلا كانوا السبب في سقوطها وفنائها، وسقوط دولة بني العباس التي عاشت قرونًا طوالاً، وامتدت في طول العالم وعرضه ما كان إلا بتدبير من منافقيها، كان يحمل لواء النفاق في تلك المؤامرة الدنيئة ابنُ العلقمي الرافضي.
وأخْذُ الصليبيين لبيت المقدس في القرن الخامس الهجري، ما كان إلا بسبب بني عبيد الباطنيين المنافقين.
وسقوط الدولة العثمانية التي حكمت أكثر من نصف الأرض ثمانية قرون، ما كان إلا على أيدي يهود الدونمة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، وكادوا المكائد بالرجل المريض حتى قتلوه وقبروه.
وما سُلبت فِلَسطين في القرن الماضي واستحلتها يهود إلا بمعونة المنافقين، وما بقي اليهود فيها أكثر من نصف قرن إلا لأن المنافقين أبعدوا الإسلام عن المعركة، وأداروا الصراع تحت الرايات القومية والوطنية الجاهلية، ومن خلال الأحزاب اليمينية واليسارية العلمانية.