وإذا حرص العبد على ما ينفعه واستعان بالله ولم يعجز، ثم أصابه بلاء، أو لم تتحقق النتائج التي كان يرجوها، فإنه مأمور بالصبر والاحتساب وعدم اللوم على ما مضى: (( وإنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فلا تَقُلْ: لَوْ أَنّي فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّرَ الله وما شاء فعل فإنَّ لَوْ تفتح عمل الشيطان"."
والعبد إذا صَحَّتْ غايته، وخَلُصَتْ نيته، وأتى بالأسباب؛ فليس ضروريًّا أن تترتب النتائج بناءً على ما قَدَّمَ من مُقَدِّمَات؛ لأن تقدير الله غالب ومشيئته ماضية، وحكمه نافذ، والأسف واللوم لا يفيد شيئًا مع ما فيه من اعتراض على قدر الله - تعالى -؛ إذ ينظر العبد إلى الفعل؛ كأنه جهد شخصي معزول لا علاقة لمشيئة الله - تعالى - به، وهذا فيه تألٍ على الله - سبحانه وتعالى -، فأمر العبد أن ينأى بنفسه عن ذلك، ويسلم الأمر لله بتمام القبول والرضى [13] ، ذلك أنَّ العبد إذا أصابه السوء أو فاته ما لم يقدر له فله حالتان:
حالة عجز وهي مفتاح عمل الشيطان؛ فيلقيه العجز إلى (لو) التي هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن. وذلك كله من عمل الشيطان فنهاه - صلى الله عليه وسلم - عن افتتاح عمله بهذا المفتاح، وأمره بالحالة الثانية وهي: النظر إلى القَدَر وملاحظته، وأنه لو قُدِّرَ له لم يَفُتْه، ولم يغلبه عليه أحد فلم يبق ههنا أنفع من شهود القدر، ومشيئة الرب النافذة التي توجب وجوب المَقْدُور، وإذا انتفت امتنع وجوده؛ فأرشده الحديث إلى ما ينفعه في الحالتين، حالة حصول مطلوبه، وحالة فواته؛ فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدًا، بل هو أشد شيء إليه ضرورة، وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار، والقيام بالعبودية ظاهِرًا وباطنًا في حالتي حصول المطلوب وعدمه"انتهى مُلَخَّصًا من كلام ابن القيم [14] ."