القول الثاني: يحرم على المرأة الحائض والنفساء: المكث في المسجد، وأما العبول فيه فلا يحرم إذا استوثقت من عدم تلويثه، وهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة إلا أن الحنابلة اشترطوا الحاجة [126] في العبور.
واستدلوا بما يأتي:
1 -قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} الآية [127] .
قالوا: المعنى لا تقربوا مواضع الصلاة لأنه ليس في الصلاة عبور سبيل إنما عبور السبيل في مواضعها، وهو المسجد، وهذا التفسير مروي عن ابن عباس، والحيض والنفاس في معنى الجنابة [128] .
2 -واستدلوا بما روي عن جابر قال: (( كان أحدنا يمر في المسجد مجتازاً وهو جنب ) ) [129] .
قالوا: فهذا دليل على جواز المرور دون الجلوس.
3 -أن هذا قول كثير من الصحابة والتابعين كابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وسعيد بن جبير [130] .
القول الثالث: أن المرأة الحائض والنفساء لا تمنعان من الدخول إلى المسجد، والمكث فيه؛ وهو قول الظاهرية ورواية في مذهب الحنابلة إذا توضأت [131] .
واستدلوا بما يأتي:
1 -قول الرسول صلى الله عليه وسلم (( المؤمن لا ينجس ) ) [132] . متفق عليه.
2 -ولأن أهل الصفة يبيتون في المسجد بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهم جماعة كثير ولا شك أن فيهم من يحتلم وما نهو قط.
3 -قالوا: وأما الآية فالنهي فيها عن الصلاة لا عن مواضع الصلاة [133] .
المناقشة والترجيح:
بالنظر في أدلة الأقوال الثلاثة يظهر أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أحاديث ضعيفة؛ وهي التي تنص على تحريم لبث الحائض، والنفساء، والجنب في المسجد.
القسم الثاني: أحاديث صحيحة، ولكنها غير صريحة في الدلالة على جواز المكث في المسجد كحديث (( المؤمن لا ينجس ) )إذ أنه لا يلزم من عدم نجاسته جواز لبثه في المسجد.