القسم الثالث: الآية الكريمة، وهي أقوى الأدلة في هذا الموضوع ولكنها غير صريحة - أيضاً - إلا أن حملها على ما حملها عليه أهل القول الثاني، وهو النهي عن قربان مواضع الصلاة حال الجنابة - والحيض والنفاس مثلها - أولى؛ لأن ذلك أبلغ في النهي عن الصلاة على تلك الحال، ولأن بيان حكم التيمم للمسافر الذي حمل الآية عليه أهل القولين الآخرين: قد بين صريحاً في آية أخرى وهي قول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [134] .
وهو حكم يعم المسافر والمقيم.
فحمل الآية الأولى على مواضع الصلاة، وتقدير المجاز: أولى؛ ليكون لها دلالة خاصة. وترجيل عائشة رضي الله عنها رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض وهو في المسجد وهي في حجرتها [135] مؤيد لذلك، فلو كان دخولها للمسجد جائز لدخلته لذلك؛ لأنه أرفق برسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنها لم تفعل لأنه لا يجوز لها المكث في المسجد.
وبهذا يتبين رجحان قول القائلين بأنه لا يجوز للحائض، والنفساء والجنب أن يمكثوا في المسجد. أما العبور فجائز إذا أمنت تلويثه.
وأما قول القائلين بجواز المكث: إن أهل الصفة يبيتون في المسجد بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهم جماعة كثير، ولا شك أن فيهم من يحتلم، وما نهو عنه قط.