فهرس الكتاب

الصفحة 17785 من 19127

إن حقيقة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان تَوَّاقًا إلى تكوين دولة إسلامية تَظهَر بوضوح حين ندرك أنه إلى جانب محاولته إقناعَ الناس باعتناق الإيمان الجديد، فإنه كان يبذل أقصى جهده ليظفر بتأييد جماعة منظَّمة ومستقلة تكون بمثابة معقل لذلك الإيمان. ولتحقيق تلك الغاية فإنه اعتاد أن يتصل برؤساء القبائل المختلفة، وخاصةً في وقت عَقْدِ الأسواق السنوية في مكة، ويطلب منهم أن يَقبلوه كنبيٍّ وأن يكونوا حماة الإيمان الجديد، وأخيرًا فإن قبيلتين من المدِينة، وهما الأوس والخزرج فعلتا ذلك ومكنتا من قيام أول دولة مسلمة نشأت في أراضيهم.

ولنفترض الآن أن عددًا من المسلمين قرروا العمل لتحقيق تلك الغاية. فبأي وجه يستطيعون أن يَفِيدوا من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في المرحلة المكية؟

موقفان متطرفان:

اعتنق عدد كبير من الناس موقفين متطرفين: الأول: هو أنه نظرًا لأن رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اكتملت أخيرًا في شكل القرآن ومجموعة الأحاديث الموثوق بها، التي تحت تصرفنا الآن؛ فإن المراحل الأولى التي مرت بها تلك الرسالة لا تتلائم الآن مع نوع النظام الذي يجب أن نَتَّبعه في نشرها أو ممارستها، ولكن ديننا كامل ويجب أن تتم ممارسته في مجموعه، وليس من الممكن إيقافُ أو إرجاء تطبيق جزء منه لأي سبب من الأسباب.

أما الموقف الآخر: فهو أن الناس الآن قد ارتدوا إلى نوع من الجاهلية المكية التي كانت سائدة في وقت رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ ولذلك فإنه يجب علينا أن نبتدئ من النقطة التي ابتدأ منها النبي، ونمر بجميع المراحل التي مر بها، حتى نستطيع في نهاية الأمر تكوينَ دولتنا الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت