فهرس الكتاب

الصفحة 17790 من 19127

2-إن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة، باتباعه إرشادَ القرآن، قد ابتدأ في دعوة الناس إلى المبادئ الرئيسة للإيمان، وإنني أعتقد أنه فعل ذلك لأن الإسلام ليس مجردَ مجموعة من الأوامر والنواهي، إنه نظام يتمشى مع كل من الناحية المنطقية والنفسية. وهكذا فإننا لو لم ندعم الأساس الداخلي لن نستطيع أبدًا أن نقيم أي بنيان خارجي قوي، أي لو لم يتم دعم الإيمان بقوة في قلوب الناس؛ فإنه يكون من غير المجدي أن نطالبهم بفعل ما أمر به الله وتجنُبِ ما نهى عنه. وقد وضح ذلك تمامًا في كلمات عائشة التي قالت - طبقا للبخاري: إنه عندما جاء النبي ابتدأ في إخبار الناس عن الله والآخرة فقط، وبعد أن آمنوا بذلك فإنه ابتدأ في إخبارهم أنهم يجب أن لا يشربوا الخمر أو يرتكبوا الزنا. ولو أنه كان ابتدأ بالأمر الثاني لكانوا قد رفضوا بصلابة أن يلتزموا بأوامره ويكفوا عن تلك الآثام.

القضايا الكبرى

ولكن هنا نقطتان يجب أن نلاحظهما:

أ- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَقصُر نفسَه على الحديث عن أمور العقيدة فقط، بل أيضًا - مَثَله مَثَل من جاء من قبله من الأنبياء - قد شرح النتائج الأخلاقية والاجتماعية لتلك العقيدة، وأن ذلك الأمر هو الذي يؤثِّر في القلب أكثر من الحديث النظري عن العقيدة، وهو الذي يتسبب - عادة - في جانب معارضة الناس من ذوي المصالح في مجتمعات الجاهلية المتعارضة مع الإسلام، واضطهادِ هؤلاء الناس للأنبياء.

ب- عند دعوة الناس للإيمان الجديد، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتحدث إليهم بأسلوب جازم أو عاطفي بحت، ولكنه لجأ إلى المناقشة المنطقية وإلى البراهين المادية. لقد تحداهم عقليا وأنذرهم بإخلاص، وطلب منهم النظر في التاريخ بتروٍ للاعتبار به، وشرح لهم حقيقة أنه كان يدعوهم إلى الطريقة الوحيدة التي تجلب لهم السعادة المادية والروحية في هذه الحياة والحياة الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت