فهرس الكتاب

الصفحة 17803 من 19127

وفي حقيقة الأمر تكوّن المجتمع الأوربي -والكلام للسيد علي عزت بيغوفتش- تحت تأثير متزامن لفلسفتين متناقضتين: الفلسفة النصرانية المعادية كلياً للحياة الجنسية، والفلسفة المادية الداعية إلى التمتع بكل ما في هذه الدنيا الوحيدة، وبما أن الخيار النصراني مستحيل البلوغ في واقع الحياة -بغض النظر: اعترف هؤلاء بذلك أم لا - فإن الغلبة كانت من نصيب الفلسفة الثانية، وظل الإسلام أبداً يبحث ويجد طريق الوسطية في الحياة الجنسية شأنه في بقية أمور الحياة؛ لأن الإسلام كان وبقي فلسفة الممكن في الحياة"ا.هـ [2] ."

وهذا الذي نبه عليه فلاسفةُ الغرب سبقهم إليه علماء الإسلام؛ يقول ابن الجوزي، وهو يقرر هذه الحقيقةَ، أي أن الرهبانية وقطع الشهوة، يمكن أن تأتي بنتائج عكسية، يقول في كتابه الشهير (تلبيس إبليس) في باب: (ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك النكاح) : واعلم أنه إذا دام تركُ النكاح على شُبان الصوفية أخرجهم إلى ثلاثة أنواع: -فذكر منها النوع الأول وهو المرض بحبس الماء. ثم (النوع الثاني) وهو: الفرار إلى المتروك-، فقال:"فإن منهم خلقاً كثيراً صابروا على ترك الجماع فاجتمع الماءُ فأقلقوا وجاعوا فلامسوا النساء، ولابسوا من الدنيا أضعافَ ما فروا منه، فكانوا كمن أطال الجوعَ ثم أكل ما ترك في زمن الصبر. والنوع الثالث: الانحرافُ إلى صحبة الصبيان؛ فإن قوماً منهم أيسوا أنفسهم من النكاح فأقلقهم ما اجتمع عندهم فصاروا يرتاحون إلى صحبة المرد" [3] .

وعلى ضوء ذلك نتبينُ حكمةَ تشريع الزواج في الإسلام، وحض الشباب عليه، والإنكار على من اتجه إلى تحريمه بدعوى التفرغ للعبادة وهجر الدنيا.

ج- الإسلام يستجيب للطبيعة الجنسية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت