لم يكثر المَالَقيُّ في كتابه من شيءٍ إكثارَه من الاستشهاد والتمثيل بآيات القرآن الكريم لدى ذكر أي حكم من أحكام القراءات، فقد غدا مثال الدَّاني الذي يمثل به لحكم من أحكام الأصول عنواناً يضم تحته كل ما كان على شاكلته في القرآن على سبيل الحصر والاستقصاء لا التمثيل والاستدلال، وبذا تحولت أحكام الأصول التي يطَّرد فيها القياس إلى فرش يستوعب كلَّ ما انطبق عليه هذا القياس منسوقاً على سُوَرِهِ ابتداءً بالفاتحة وانتهاءً بالناس، والمَالَقي يلتزم في هذا نهجاً لا يحيد عنه؛ فهو يذكر أولاً جملة ما في القرآن من مواضع ينطبق عليها الحكم المذكور، ثم يبين ما جاء منها في كل سورة مراعياً عدة ما في كل سورة جامعاً النظير إلى النظير، فما كان من السور مشتملاً على موضع واحد ذكره أولاً ثم ما اشتمل على موضعين وهكذا.. إلى أن يستنفد الأمثلة، وهو في كل ذلك يتَّبع ترتيبَ السور في المصحف الشريف، ولتوضيح هذا نمثل بما ذكره المَالَقي في باب الإدغام الكبير عن إدغام الهاء في مثلها إذ قال: (( قال الحافظ رحمه الله: نحو قولِه تعالى {فيه هد} ) )وشرَعَ يشرحُ أحكام إدغام الهاء في مثلها منتهياً إلى أن جملتَهُ في القرآن أربعة وتسعون حرفاً، ثم أخذ يذكر هذه الحروف مبتدئاً بما جاء منها حرف واحد في سور القرآن: (( منها حرف حرف في ثلاث وعشرين سورة... [44] ) )، ثم ثنّى بما جاء منها حرفان: (( ومنها حرفان حرفان في عشر سور [45] ) )فثلاثة: (( ومنها ثلاثة ثلاثة في سبع سور ) )فأربعة.. فخمسة... فستة [46] ... وهو في كل مرة يلتزم ترتيب السور كما تقدمت الإشارة.
إن سمةَ الاستقصاء في الأمثلة هذه - في الدر النثير - تكاد تميزه من سائر كتب القراءات الأخرى على اختلاف أنواعها وأحجامها، ذلك لأن كتاباً منها لم يستقصِ استقصاءَه، ولا أدلَّ على ذلك من موازنته بكتابَي الإقناع في القراءات السبع لابن الباذش والنشر في القراءات العشر لابن الجزري.