وهو ما اصطلح عليه بالاحتجاج للقراءات أي التماس الدليل لها، وذلك إما بالاستناد إلى قاعدة مشهورة في العربية، أو بالاعتماد على القياس وحشد النظائر وموازنة المثيل بالمثيل، وقد يساق للاحتجاج والتوجيه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشعر العربي والأمثال ولغات العرب ولهجاتها وأقوال أئمة العربية [68] . وكتب القراءات متباينة في تناول هذا الموضوع، منها ما لم يذكره البتة كالتيسير والعنوان، ومنها ما ألَمّ به على قلة كالسبعة والتبصرة، ومنها ما أكثر من ذكره كالإقناع [69] ، ومنها ما تخصص فيه وأفرد له كالحجة والكشف. أما الدر النثير فتوسَّط بين ذلك كله؛ إذ لم يخلُ باب من أبوابه من توجيه القراءات والتعليل لها، والتعليل عند المَالَقي - شأنه عند جل من صنف في هذا الفن - تتنازعه كل أنواع المعارف اللغوية من نحو وصرف ولغة وصوت، فمن التعليل النحوي قوله: (( ومن هذا النوع - أي الحمل على التوهم - قراءة الجماعة غير أبي عمرو: {فأصّدقَ وأكنْ من الصالحين} [المنافقون 10] بجزم أكن حملاً على موضع الفاء؛ لأنه لو لم تثبت الفاء لجزم {أصدق} وعلى هذا تتخرج قراءة نافع رحمه الله: {ومحيايْ} [الأنعام 162] بسكون الياء كأنه نوى الوقف عليها وإن لم يقف... [70] ) ).
ومن التعليل اللغوي تضعيفه قراءة تحقيق الهمزتين اعتماداً على قول سيبويه في باب الهمز: (( فليس في كلام العرب أن تلتقي همزتان فتحققا [71] ) ).
ومن التعليل الصوتي لوجوه القراءات ما قاله في توجيه قراءة ترك صلة هاء الكناية: (( وجه قراءة الجماعة بترك الصلة إذا سكن ما قبل الهاء أن الهاء عندهم لضعفها ووهنها في حكم العدم فلو وصلوها لكانوا كأنهم قد جمعوا بين ساكنين، فتركوا الصلة لذلك... [72] ) ).