والحقُّ أن التعليل الصوتي هو واسطةُ العقد في الدر النثير، فيه تكمن أصالة الكتاب ويبدو إبداع مؤلفه، وبه يتميز الدر النثير من سائر كتب القراءات، وهو ينتظم كل أبواب الكتاب وفصوله لأنه يتعلق أساساً بظواهر الأداء المختلفة من إدغام ومد وهمز وتسهيل وإمالة… وهي التي تؤلف مادة الكتاب الأساسية لأجل ذلك ما أفردتُ له فقراتٍ في دراستي الموسعة عن هذا الكتاب.
ويحسن أن أشير هنا إلى أن المَالَقي - على حفاوته وعنايته بتوجيه القراءات - لم يكن يتكلف فيه أو يلتزمه في كل ما يطرأ من أحكام مما يجعله أمراً لا مفرَّ منه ولا محيد عنه، بل هو على النقيض من ذلك يتناول المسألة بما فيه مقنع من تعليلاتها، ولا يعدُّ التعليلَ ملزماً لسواها من المسائل، وإنما نجده ينبِّه على عدم اطراد التعليل في كل المسائل حيث يقول إثر تعليله إمالة الفتحة والألف في (عالم وعابد) : (( وينبغي للطالب أن يعلم أنه متى حصل توجيه مسألة في هذا العلم بوجه مناسب كفى، فإن اتفق مع ذلك اطراد التوجيه في سائر النظائر واستمرار التعليل فحسن، وإن لم يطرد ذلك وحصل الاختلاف بين النظائر فلا اعتراض؛ لأن القوانين في علم العربية إنما هي أكثرية لا كلِّيّة لأن موضوع هذا العلم الألفاظ، وهو أمر وضعي، وإنما يلزم الاطراد ويقدح الانكسار في العلوم العقلية [73] ) ).
ب - تعليل أوجه الخلاف:
لم يدع المَالَقي أن يعلل ما ألزم نفسه تتبعه من أوجه الخلاف بين التيسير والتبصرة والكافي في أحكام القراءات، من ذلك قوله في تعليل خلافهم حول إدغام: {والأرض شيئاً} [النحل 73] : (( …فالجواب أنه يمكن الجمع بينهما بأن الرواية خلاف التلاوة، كما تقرر في باب البسملة أو بلغ أحدهما ما لم يبلغ الآخر، وهذا التوجيه الثاني أظهر لقول الحافظ: ولا فرق بينهما إلا إرادة الجمع بين اللغتين. فظهر أن الحافظ لم يبلغه ما بلغ الإمام والله أعلم [74] ) ).