فهرس الكتاب

الصفحة 18031 من 19127

أما الاكتئاب فهو مَرَضٌ عصابي آخَرُ نُصادِفُه كثيرًا هذه الأيَّام، وما من شخص منا إلا وانتابتْهُ لحظاتٌ مِنْ عُمُرِه - إِثْرَ أزْمة خارجيَّة، أو فِقْدان قريب أو صديق - شَعَرَ فيها بالحُزْنِ والضَّياع، مثل هذا الشعور نجده يُسَيْطِر على البعض بصورة أَقْوَى وأطولَ مِمَّا هو معتاد، لهذا نسمي مثل هؤُلاء مصابين بالاكتئاب، ويكون الاكتئاب مصحوبًا في كثير من الأحيان بالقلق واليأس، والأرق، ومشاعر الذنب المبالغ فيها، وفِقدان الشهية، والبكاء المتكرر، وانعدام الثقة بالنفس، والتأْنِيب المستمرّ لِلذَّات، وعند نشأة الاكتئاب (وهو عادة ما ينشَأُ في سنّ متأخّرة) نجد أنَّ نشاط الشخص يَضْعُفُ ويبلد، وعلاقاته الاجتماعية تتقلَّص، ويتقوقَعُ الشخص على ذاته في خيبة أمل، وعجز، ويتجنب المكتئبون التعبير عن العدوان والكراهية، إمَّا بسبب شُعورهم الشديد بالذنب في التعامل مع الناس، أو لخشيتهم من أن ذلك قد يؤدّي إلى رفضهم من قِبَل الآخرين، فهم أيضًا يخافون من الرفض الاجتماعي، ويهلعون منه هلعًا شديدًا، ويتصيَّدون رِضاء الناس، وينتهون بالرغم من هذا، أو بسبب هذا إلى إدانة الآخرين، وإدانة أنفسهم؛ لأنهم يُدينون الآخَرين، وهكذا.

وتسيطر على المكتئبين أفكار بأن حياتهم عديمة الجدوى، وليس نادرًا أن تنتهي حياتهم في الحالات الشديدة بالانتحار، ذلك التصرف اليائس الذي يبدو في نظر المكتئب وكأنه البديل الوحيد لأحزانه وتعاسته.

ولعلكم تلاحظون أن الاكتئاب - كالقلق - يُمَثِّل استجابةً انفعاليةً مبالغًا فيها؛ لكنه بعكس القلق الذي يتَّجِهُ إلى الأمام، ويتعلَّق بِمخاوفِ وأخطارِ المستقبلِ، نجد أن المكتئب يتجه إلى الماضي وأحزان ما فات، لكنهما عادة ما يكونان متلازِمَيْنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت