وكان الأدارسة يطمحون [32] إلى توحيد العالم الإسلامي تحت قيادتهم مستندين في ذلك إلى أصلهم الشريف [33] ، وقرب نسبهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولكنهم يظهروا شيئًا من التشيع كما يبدو هذا من خلال استقراء تاريخ تلك الدولة، ولهذا يبدو ليس مقبولًا ما يميل إليه أحد الباحثين من أن دولة الأدارسة قد أخذت بالمذهب الشيعي [34] الزيدي [35] ، ولعل السبب في هذا القول هو تبني الرافضة لأفكار المعتزلة في القرون المتأخرة فيما لا يتعلق بالإمامة.
أما تبني دولة الأدارسة للمذهب الاعتزالي فقد ذكر عدد من الكتاب والمؤرخين [36] أن هذا المذهب قد انتشر في بلاد المغرب الأقصى، وأن قبيلة أوربة البربرية والتي ساعدت إدريس في إقامة دولته كانت معتزلية، ولهذا فقد أقر إدريس الثاني لهم نشر المذهب في دولته.
وهكذا تبنت دولة الأدارسة المذهب الاعتزالي، ولكن الذي يبدو هو أن زعماء هذه الدولة لاسيما القدماء منهم وجدوا أن هذا المذهب قد انتشر في بلاد المغرب الأقصى خاصة بين أفراد قبيلة أوربة التي ساعدت إدريس الأول في إقامة دولته، ولهذا لم يجدوا مناصًا من إظهار موافقتهم الظاهرية لهذا الفكر ليبقى في دولتهم بعد قيامها مراعاة منهم لزعماء قبيلة أوربة الذين تبنوه وعملوا على نشره، لكن الأدارسة لم يظهروا حماسًا لنشره وجعله مذهبًا رسميًا لدولتهم.
كان هذا عرضًا - سريعًا - للاتجاهات الفكرية الرئيسة التي وجدت في بلاد المغرب حتى ظهور دعوة ابن تومرت، وهذه الاتجاهات كان لها ثقل مذهبي وسياسي، حيث أن كل واحد منها قد حمته دول أو دولة من القوى السياسية التي نشأت في تلك الديار، وهذا بلا شك هو الذي أكسب تلك الاتجاهات هيبة ومكانة عند الناس، مما ساعد على شيوعها وانتشارها في مناطق جديدة من بلاد المغرب.