أما الصنف الثاني، فقد رد رواياتهم بحجة ان ابن أبي زرع، وابن عذارى كانا قد كتبا تاريخهما في ظل الدولة المرينية التي قامت على أنقاض الدولة الموحدية، وعملت على التهجم عليها والنيل منها، أما ابن الأثير فقال عنه إنه لم يكن خبيرًا ولا مطلعًا على شؤون المغرب وأخباره وإنما كان ناقلًا عن غيره من غير رؤية أو تمييز [141] . والذي يبدو أن هذه التبريرات التي أوردها هذا الباحث غير علمية وبالتالي ليست مقبولة، فلو قبلنا - جدلًا - ما قاله عن الطائفة الثانية فكيف نقبل ما قاله عن الطائفة الأولى؟ لأن أفرادها من تلاميذ ابن تومرت والمقربين إليه، ومن الصعب أن يذكروا عنه شيئًا لم يفعله، وإذا كان قد رباهما على أنه لا يسئل عما يفعل كما يقول الباحث فهذا مآخذ آخر يضاف إلى المآخذ الكثيرة التي أخذت على ابن تومرت، ثم كيف يجيب هذا الباحث على ادعاء ابن تومرت العصمة؟، وأنه يجوز له أن يقتل من لا يحفظ كتابه الذي ألفه لتلاميذه؟ وهذه الأمور قد ذكرها ابن تومرت في مؤلفاته ولا مجال لإنكارها، وهي بلا شك لا تقل خطورة عن سفك الدم المعصوم بغير حق.
وبهذا العرض نرى أن ابن تومرت قد برر أي عمل، أو تصرف يرى أنه يخدم دعوته، ومنها سفك الدماء المعصومة دونما مسوغ شرعي يجيز له ذلك، بل إنه قد بالغ في هذا العمل حيث تجاوز الأفراد إلى الجماعات والقبائل حتى أصبح أمرًا مألوفًا عند أتباعه، واتجاهًا واضحًا في ميدان نشر دعوته، وحتى شعر كثير من الناس أن ما يقوم به ابن تومرت في هذا المجال إنما هو عمل شرعي نفذه من أجل خدمة دعوته، ويدل على هذا الشعور أن أعماله هذه لم تلق مواجهة أو مقاومة حينما يشرع في تنفيذها، حيث كان الناس يستسلمون له ليفعل بهم ما يشاء باعتباره لا يسئل عما يفعل كما يظن الكثيرين منهم.