فهرس الكتاب

الصفحة 1855 من 19127

وهنا قد يتساءل البعض فيقول: هل هذا الاتجاه الفكري لدعوة ابن تومرت قد تأصل في نفوس أفراد دولة الموحدين عامتهم وخاصتهم، فأخذوا يعملون بمقتضاه، ويسيرون وفق اتجاهه وخطاه، أم أنهم بعد موت ابن تومرت، ومع مضي الزمن، بدأوا يتحللون من تعاليم تلك الدعوة ويسيرون في اتجاه غير اتجاهها؟، وللإجابة على هذا التساؤل يقال: إن أتباع ابن تومرت يمكن تقسيمهم إلى صنفين: الصنف الأول وهم التلاميذ والأصحاب المقربين الذين أعجبوا بدعوة ابن تومرت، وتعلقوا بها وهذا الصنف بقي على ولائه لتلك الدعوة حتى بعد وفاة ابن تومرت، وقد عرف هذا الصنف عند المؤرخين بشيوخ الموحدين.

أما الصنف الثاني فهم الذين دخلوا بها في باديء الأمر، وهم معجبون بها لكن حماسهم بدأ بالفتور إزائها مع مضي الوقت، ويشكل القادة السياسيون شريحة هامة من شرائح هذا الصنف، فقد خلف ابن تومرت في الحكم تلميذه عبدالمؤمن ابن علي (524 - 558هـ) الذي أعلن محبته لدعوة ابن تومرت، وتظاهر بأنه سيعمل على نشرها في بلاد المغرب والأندلس، لكن المتتبع لتاريخ هذا الرجل يدرك بجلاء أن هذا الحماس ما لبث أن تبدد حيث انشغل عبدالمؤمن عن ذلك بالأمور السياسية والعسكوية واكتفى بالقيام بزيارة قبر ابن تومرت بين الفينة والأخرى، كرمز على محبته له ولدعوته، أما العمل على تأصيلها في نفوس الناس ونشرها في أماكن جديدة، فلم يذكر المؤرخون - حسب علمي - أنه قام بشيء من هذا، ويدل على ذلك أن عبدالمؤمن لما بسط سلطانه على بلاد المغرب والأندلس لم تنتشر دعوة ابن تومرت في تلك الديار، ولم تتأصل محبتها في قلوب سكانها كما تأصلت عند سكان بلاد المغرب الأقصى الذين انتشرت بينهم تلك الدعوة في عهد ابن تومرت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت