وهكذا نرى أن دعوة ابن تومرت وإن كانت قد تغلغلت في قلوب بعض المعجبين بها من السذج والعامة من الناس في بعض بلاد المغرب الأقصى والأندلس فإن ما تحمله من شطط وغلو قد بدا لمن كان عنده شيء من العلم مما دفع العقلاء من الموحدين وهم يعدون حماتها إلى العمل على إزالتها والسعي لبيان وجه الخطأ فيها، فالمنصور ثالث أمراء الموحدين بعد ابن تومرت عمل على بيان باطلها وسعى لثقويضها ولم يمض على انتشارها بين الناس سوى نصف قرن، وهي مدة قصيرة في عصر الدعوات، لكن ما تحمله هذه الدعوة من جنوح في بعض أفكارها جعلت أقرب الناس منها يسعون لتقويضها - كما بينا في السطور السابقة -.
وهنا قد يرد تساؤل وهو: لماذا لم يعلن المنصور الموحدي للناس صراحة بطلان ما دعا إليه ابن تومرت ويعمل جادًا للقضاء على دعوته؟.
وللإجابة على هذا التساؤل يقال: إن الكثير من الناس ببلاد المغرب الأقصى، لا سيما العامة وشيوخ الموحدين، وزعماء القبائل، قد تعلقوا بدعوة ابن تومرت، واقتنعوا بصحة ما قال به أو دعا إليه، فلو واجههم المنصور بالنقد المريح، أو العمل الجاد للقضاء على دعوة ابن تومرت لنشأ عن ذلك رد فعل خطير من قبل أولئك القوم قد لا يستطيع رده أو التصدي له، وهذا بلا شك جعله يكتفي ببيان موقفه منها دون اتخاذ أي خطوات عملية ضدها.