ولكن وبالرغم من قلة ما قام به المنصور من جهدًا، أو عمل مضاد لدعوة ابن تومرت، إلا أن عمله هذا كانت له نتائج إيجابية وطيبة، حيث أنه بهذا الإجراء كسر ذلك السياج الذي أحيطت به دعوة ابن تومرت، مما دعى كثيرًا من الموحدين لا سيما المنصفين منهم إلى التمعن في حقيقة دعوة ابن تومرت ودراستها بموضوعية وإنصاف، فبانت لهم حقيقتها وما تحمله من جنوح في تفكيرها مما دفعهم إلى الأخذ بالتحلل من تعاليمها شيئًا فشيئًا حتى إذا ما تولى أبو العلاء إدريس الملقب بالمأمون [154] (624 - 629هـ) أعلن صراحة خروجه على تعاليم ابن تومرت كما بين للناس علانية ما تحمله هذه الدعوة من شطحات في بعض أفكارها وقال وهو على المنبر في مدينة مراكش يخطب الناس:"أيها الناس لا تدعوه بالمهدي المعصوم - يعني ابن تومرت - وادعوه بالغوي المذموم فإنه لا معصوم إلا الأنبياء ولا مهدي إلا عيسى [155] وأنا قد نبذنا أمره النجس"... [156] .
كما يذكر ابن أبي زرع أنه بعد أن نزل من على المنبر كتب إلى جميع بلاده بتغيير سير المهدي، وما كان ابتدعه للموحدين، وجرا عليه عملهم، وسير ملوكهم، وأمر بإسقاط المهدي من الخطبة، وإزالته من الدنانير والدراهم، وقال: (( كل ما فعله المهدي وتابعه عليه أسلافنا فهو بدعة ولا سبيل لإبقاء البدع... ) ) [157] .
وبالإضافة إلى ما سبق فقد أرسل المأمون كتابًا إلى المدن المغربية والأندلسية بين لم فيه الخطوات التي اتخذها ضد دعوة ابن تومرت، وقد جاء في ذلك الكتاب: (( ... ولتعلموا أنا نبدنا الباطل وأظهرنا الحق وأن لا مهدي إلا عيسى ابن مريم... وقد أزلنا لفظ العصمة ممن لا تثبت له عصمة... ) ) [158] .