ونظيرُ هذا ما حدثناه أعدادٌ من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جربوه مراتٍ متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حَصَر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا؛ قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر، وهو ممتنع علينا، حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهلُه لسب رسول الله والوقيعة في عرضه تعجَّلنا فتحَه وتيسَّرَ، ولم يكد يتأخر إلاّ يوماً أو يومين، أو نحو ذلك، ثم يُفتح المكان عَنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة. قالوا: حتى إن كنا لنتباشَرُ بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاء القلوبِ غيظاً عليهم بما قالوا فيه. وهكذا حدثني بعضُ أصحابنا الثقات؛ أن المسلمين من أهل المغرب حالُهم مع النصارى كذلك، ومن سنة الله أن يعذب أعداءه تارة بعذاب من عنده وتارة بأيدي عباده المؤمنين" [7] ."
وفيما نزل باليهود الذين آذَوُا الله ورسوله من الجلاء والعذاب مصداقُ ذلك. والأخبارُ في كتب السير وغيرها أكثرُ من أن يتسع لها هذا المقالُ؛ ومن ذلك على سبيل المثال ما ذكره بعض أهل السير في غزوة تبوك أنه مرَّ بين أيديهم وهم يصلون غلامٌ؛ فدعا عليه -صلى الله عليه وسلم- فأقعد فلم يقم بعدها [8] . وقال ابن كثير: جاء من طرق أوردها البيهقي أن رجلاً حاكى النبي -صلى الله عليه وسلم- في كلام، واختلج بوجهه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كن كذلك، فلم يزل يختلج ويرتعش مدة عمره حتى مات [9] .
وقد رأينا بعيوننا ما قد شفى صدورَ قومٍ مؤمنين، وكم من كاتبٍ استطال وعدى قدرَه، فوقع في عرض النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- فسرعان ما أخذه اللهُ أخذةَ جبارٍ؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار.