4 -من خيرات رمضان أنه أضحى ظرفًا لأداء أنواع من القربات لله: فقد تجاوز صيام هذا الشهر مفهومَ التلبس بعبادة من العبادات، ليصبح نوعًا من الامتثال لمفردات كثيرة في المنهج الرباني، ففيه قيام الليل والإكثار من قراءة القرآن، والاعتكاف في المساجد ولزوم الجماعات من قِبَل كثير من المسلمين، وإخراج صدقة الفطر، والاستبشار بعفو الله وكرمه بما تظهر الأمة من البهجة والسرور في يوم عيدها، فكأن شهر رمضان مناسبة لازدحام العبادات والقربات في حياة المسلم، على نحو لا يتوفر في أي وقت آخر.
5 -يمثل الصيام نوعًا من الاتصال والتواصل الاجتماعي: حيث ترسم الظروف اليومية، والمصالح والأوضاع الاجتماعية، والطموحات الخاصة مجموعةً من الأطياف العازلة لكل إنسان عن غيره؛ مما يؤدي إلى فقد الاتصال أو ضعفه. وفقد الاتصال في مجتمع ما من أكبر المعوقات له عن النمو والتجانس والصمود في وجه الكوارث، وألوان العدوان الخارجي، ومن ثَمَّ فإن امتناع أبناء المجتمع المسلم عن الطعام في وقت واحد - مهما كانت أوضاعهم الاجتماعية - وتناولهم له في وقت آخر محدد، إلى جانب الشعائر الجماعية الأخرى، التي تعودها المسلمون في هذا الشهر المبارك، من أهم ما يوحد الشعور بالتجانس، ومن أهم ما يزيل الحواجز، التي تولدها الظروف المختلفة.
6 -الصيام اليوم: إن مهمة المبادئ العليا أن تكيف حياة الناس وتوجهها وَفْقَ مضامينها ومعطياتها، لكن تلك المباديء لا تعمل في فراغ، وإنما تشتبك مع أمور عديدة من جملتها: العادات الموروثة، والظروف الضاغطة، والأهواء والشهوات الجامحة، والتأويلات والأفهام الخاطئة للمنهج والمباديء، وهذا كله ينتهي إلى شأن اجتماعي مُعاشٍ يلخصه ميل الناس بصورة دائمة إلى جعل النهج الرباني جزءًا من ثقافتهم، وقد يكون جزءًا صُلبًا، وقد يكون جزءًا رخوًا على مقدار إقبال الناس على الإسلام، وهي التي تجعل من المنهج موجهًا للثقافة، ومهيمنًا عليها.