وإذا كان الأمرُ كذلك؛ فمن أولى بهذه الأمة من يقظة جديدة تصلها بحبل تلك الرسالة المتين، ولقد يكون لزامًا بدل أن تندب حظها العاثر، في عتب مرير على الأقدار، أن تتبين موقعَها من هذا الإسلام، وأن تنظر فيما منحها الله من ثروات معنوية ومادية، وما مكن لها من أسباب القوة والمنعة، فتضع ذلك على طريق التغيير المنهجي، والتخطيط المدروس في حياتها من أجل تحقيق الهدف الكبير، في بناء مجتمع تظلله هداية محمد عليه الصلاة والسلام.
ثم أين هي من سمات القوافل الخيِّرة التي عبَّدت سُبل الفلاح، ومن الصفات التي يتميز بها طلابُ الآخرة في كل ما يأتون وما يدعون، بل أين هي في سلوكها من مدلول العبودية الذي يشمل -مع التوجه إلى الله بالعبادة وإقامة الشعائر- اعتقادَ أن الحاكمية له سبحانه، والعمل على أن يكون ذلك واقع الحياة.
ولقد يكون من صواب القول والعمل، أن يذكر الروادُ دائمًا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد ترك هذه الأمة على بيضاء نقية ليلها كنهارها، لا يزيغُ عنها إلا هالك، والمتقلب في غمار الحياة بين طريقين: فإما أن يكون من طلاب الدنيا، الذين همهم التطواف حولها، ونشدان مطالبها...
وإما أن يكون من أبناء الآخرة المسارعين إلى مرضاة الله، السالكين صراطه السوي، لا يرضون به بديلا، ولا يبغون عنه حولا، فهم يتحركون ونصب أعينهم قولُ الله جلت حكمته: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا، وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 18] .